انطفاء الغزالة..
حين يغدر بك "الوسيط"
لطالما كانت جدتي هي بطلة حكاياتي، لكنها بطلة من نوع خاص، بطلةٌ غلف الحزن قلبها لثمانين عاماً. بدأت قصتها في زمن الطاعون، حين حصد الوباء عائلتها ولم يبقَ من سلالتها إلا هي وأمها وجدها، ورجلٌ وابناه في طرف القرية. كبرت جدتي لتصبح فتاةً يضرب بها المثل في الرشاقة والجمال، حتى لقبها الجميع بـ "الغزالة".
كانت الغزالة تخبئ في قلبها سراً رقيقاً؛ حباً لشاب نبيل يدعى "ماجد". وما زاد الجمال جمالاً أن ماجد كان يبادلها الحب، وقرر أن يتقدم لخطبتها. ولكي يضمن موافقة جدها الصعب، استعان بصديقه "محمد" (الذي هو من بقايا سلالة جدتي) ليكون وسيطاً وشاهداً له بالخير. طار ماجد من الفرح، ولم يعلم أنه استأمن الذئب على الغزال.
ذهب محمد ليكون وسيطاً، لكنه حين رأى جمال جدتي، خان الصديق والأمانة، وقرر أن يخطبها لنفسه! وافق الجد فوراً، فقد رأى فيه السبيل الوحيد لإحياء النسل والحفاظ على السلالة من الفناء. تزوّجت جدتي بـ "محمد" رغماً عن قلبها، وفي تلك الليلة.. انطفأت الغزالة تماماً.
وزعت فساتينها الملونة، وتخلصت من خواتمها الفضة وعقودها، ولبست ثوباً باهتاً يشبه لون روحها الجديدة. عاشت مع جدي محمد الذي حاول بكل الطرق أن يعيد إليها ضحكتها، لكنها ظلت كتمثالٍ من رخام؛ تعامله بلطف واحترام، لكن قلبها كان قد أُغلق بشمع الحزن الأحمر.
توالت عليها الصدمات؛ فقدت أخاها الحنون، ثم أنجبت أطفالاً مات منهم ثلاثة. كانت تغسلهم وتكفنهم بجمودٍ غريب، وتسلمهم لوالدهم المنهار، ثم تعود لترى طيفهم يلعب أمامها وحدها. ربت أولادها بقلبٍ متآكل، لم تعرف يوماً كيف تحتضنهم أو تقبلهم، لأنها ببساطة لم تعد تملك ما تعطيه من مشاعر.
وحتى الصداقة خانتها؛ فقد تعرضت لخيانة مريرة من أقرب صديقاتها، جرحٌ ظل ينزف في تجاعيد وجهها لخمسين عاماً. ثم رحلت أمها، لتخرج للشارع تصرخ بمرارة "أمي.. أمي" وكأنها طفلة فقدت بوصلتها الأخيرة.
ظننا أن الحياة قد جفت في عروقها، حتى جاء حفيدها (أخي) الذي أعاد النور لعينها، أحبته حباً فاق حبها لأولادها، لكن القدر اختطفه شهيداً في الجيش العام الماضي. انكسر ظهرها من جديد، وأصبحت متعبة جداً، تعيش بذكريات ثمانين عاماً من الفقد والخذلان.
المؤلم في الأمر، أن الحزن "يُورث"؛ فأمي التي نشأت في حجر تلك الأم المنطفئة، لم تتعلم هي الأخرى كيف تحتضنني أو تقبل رأسي قبل النوم.
الحياة قد تسلب منا من نحب، وقد يغدر بنا أقرب الناس، لكن الصمود الحقيقي هو في تلك القلوب التي تظل صامدة، شاكرة، وحامدة رغم الانكسار. قصتي صرخة لكل أب وجد: "لا تقتلوا الأرواح باسم الحفاظ على السلالة، فالبيوت التي تُبنى على أنقاض القلوب تظل باردة مهما طال فيها الزمان".

قصه جميله وبها معني حقيقي للحزن وعدم تقدير النساء في مجتمعنا
ردحذف