المشاركات

سُقيا الجذور..

صورة
  "كنتُ أظن أن المحن تأتي لتقصمنا، حتى اكتشفتُ أنها تأتي لتُخرج أجمل ما فينا. بدأت مأساتي حين فقدتُ عملي وتراكمت الديون، وفي نفس الوقت أصيب والدي بمرض 'الزهايمر'. ​لم يعد والدي يعرفني، أصبح كطفلٍ تائه في جسد رجل مسن، يحتاج لرقابة على مدار الساعة ورعاية طبية تفوق قدرتي المالية بمراحل. كانت أمي تجلس بجانبه بقلبٍ مكسور، لا تملك إلا الدعاء ودموع العجز. ضاقت بنا الحال حتى بدأتُ أبيع أثاث بيتي قطعةً قطعة لأوفر ثمن أدويتهما، ووصلتُ لمرحلة أنني بعتُ حتى "ساعتي" التي كانت ذكرى غالية لأشتري له جرعة علاج واحدة. ​كان أصدقائي يلومونني: 'أنت تضيع شبابك وتبيع مستقبلك من أجل مريض لا يدرك من أنت!'.. لكنني كنتُ أنظر لوجه أمي الصابر ولوالد الذي نسيني ولم ينسه قلبي، وأقول: 'رزقي على من جعلني سبباً في بقائهما بكرامة'. كنتُ أحمل والدي على كتفي، وأطعمه بيدي، وأحتمل نوبات غضبه وضياع ذاكرته بصدرٍ رحب. ​وفي ليلةٍ بلغت فيها القلوب الحناجر، طُرق بابي. كان محامياً يبحث عني ليخبرني أن قطعة أرضٍ قديمة جداً في القرية، كانت عائلتنا قد فقدت الأمل في إثبات ملكيتها منذ عقود، قد حُكم...

رائحة الخبز المفقود

صورة
  ​أمي لم تكن مجرد امرأة تدير شؤون بيتنا، كانت هي "البلاد" في عيني؛ رائحتها، صوتها، وحتى توبيخها لنا كان يشعرنا أن العالم بخير. في غزة، الأم هي التي تصنع المعجزات من "لا شيء"؛ تطعمنا من الجوع، وتدثرنا من البرد، وتنسج لنا من الخوف قصصاً عن الصمود لكي ننام. ​حين اشتد القصف وأُجبرنا على النزوح، لم تحمل أمي معها ذهباً ولا مالاً، بل حملت "صاجاً" قديماً وقليلاً من الدقيق، وقالت: "ما دام فينا نَفَس، لن يجوع صغاري". وفي خيمتنا الباردة، كانت تستيقظ قبل الشمس، تجمع أغصان الشجر الجافة لتشعل ناراً، وتصنع لنا خبزاً يفوح برائحة الكرامة. كنا نلتف حولها، لا لنتدفأ بالنار فحسب، بل لنتدفأ بوجودها الذي يطرد شبح الموت عن قلوبنا. ​في طريق نزوحنا الطويل والموحش، وسط الزحام وتحت أنظار الطائرات، وقع ما كنت أخشاه. دوى انفجارٌ قريب، غطى الغبار الوجوه، وحين انقشع، وجدتُ أمي ممددة على الأرض. كانت قد احتضنت أخي الصغير بجسدها لكي تحميه، فاستقرت الشظايا في ظهرها الحنون. ​ماتت أمي وهي ممسكة بصرة خبزنا الصغير. رحلت "رائحة الأمان"، وبقيتُ أنا، فتاةً لم تبلغ العشرين، أقف...

أمانة الخياط وفراسة القاضي

صورة
  ​في مكة المكرمة، وبينما كان الحجيج يستعدون لرحلتهم المقدسة، كان هناك رجلٌ يحمل في جعبته قطعة من الحرير الفاخر وصرة من الذهب. خاف الرجل على ماله من وعثاء السفر، فبحث عن مأمنٍ يودع فيه شقاء عمره، فدلوه على خياطٍ يرتدي ثوب الصلاح ويذكره الناس بالتقوى. استودعه الرجل أمانته ومضى لربه مطمئناً. ​حين عاد الحاج من رحلته، والبهجة تملأ صدره، قصد حانوت الخياط ليسترد أمانته. لكن الصدمة كانت أقوى من كل توقع؛ فقد تجهم وجه الخياط، وأنكر المعرفة، بل وصرخ في وجه الرجل متهماً إياه بالنصب والافتراء، وطرده أمام الناس ذليلاً مكسوراً. ​لم يجد الرجل المظلوم بداً من اللجوء إلى القاضي "إياس بن معاوية"، الذي كان يُضرب به المثل في الفراسة والذكاء. استمع القاضي للحكاية بهدوء، ولم يطلب شهوداً أو بيّنة، بل قال للرجل: — "اذهب الآن، وعد إلى دكان الخياط غداً، واجلس أمامه بصمت.. لا تكلمه ولا تطلب منه شيئاً. افعل ذلك لثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع سأمرُّ عليك أنا". ​نفذ الرجل الخطة، وجلس أمام الحانوت كطيفٍ صامت يراقب الخياط الذي كان يتجاهله بغرور. وفي اليوم الرابع، مرَّ القاضي إياس في موكبه المهيب وح...

قصة : كيد النساء .. ❗

صورة
  يحكى أن امرأتين دخلتا على القاضي ابن أبي ليلى وكان قاضيآ معروفآ وله شهرته في زمنه .. فقال القاضي : من تبدأ ؟... فقالت إحداهما : أيها القاضي مات أبي و أنا صغيرة ثم تزوجت أمي و رحلت بعيدة و تركتني وحيدة .. و هذه عمتي وهي التي ربتني وكفلتني حتى كبرت.. ثم جاء ابن عم لي فخطبني منها فزوجتني إياه .. وكانت عمتي عندها بنت فكبرت البنت وعرضت عمتي على زوجي أن تزوجه ابنتها بعد ما رأت بعد ثلاث سنوات من خلق زوجي .. و زینت ابنتها لزوجي لكي يراها فلما رآها أعجبته فقالت له العمة : أزوجك إياها على شرط واحد أن تجعل أمر ابنة أخي (أي زوجتك الأولى والتي هي أنا ) إلي .. فوافق زوجي على الشرط .. وفي يوم الزفاف جاءتني عمتي وقالت : "إن زوجك قد تزوج ابنتي وجعل أمرك بيدي فأصبحت أنا ليلة وضحاها مطلقة وبعد مدة من الزمن ليست ببعيدة جاء زوج عمتي من سفر طويل فقلت له : "يازوج عمتي .. أتتزوجني بعد أن تطلق عمتي ..؟ ".. وكان زوج عمتي شاعرآ كبيرآ و ثريآ وليس له أولاد و تزوجته عمتي بعد وفاة زوجها الأول .. فوافق زوج عمتي وقلت له لكن بشرط أن أخبر أنا عمتي بأنها طالق. فوافق زوج عمتي على الشرط، فأرسلت لعمتي وقلت ...

انطفاء الغزالة..

صورة
 حين يغدر بك "الوسيط" ​لطالما كانت جدتي هي بطلة حكاياتي، لكنها بطلة من نوع خاص، بطلةٌ غلف الحزن قلبها لثمانين عاماً. بدأت قصتها في زمن الطاعون، حين حصد الوباء عائلتها ولم يبقَ من سلالتها إلا هي وأمها وجدها، ورجلٌ وابناه في طرف القرية. كبرت جدتي لتصبح فتاةً يضرب بها المثل في الرشاقة والجمال، حتى لقبها الجميع بـ "الغزالة". ​كانت الغزالة تخبئ في قلبها سراً رقيقاً؛ حباً لشاب نبيل يدعى "ماجد". وما زاد الجمال جمالاً أن ماجد كان يبادلها الحب، وقرر أن يتقدم لخطبتها. ولكي يضمن موافقة جدها الصعب، استعان بصديقه "محمد" (الذي هو من بقايا سلالة جدتي) ليكون وسيطاً وشاهداً له بالخير. طار ماجد من الفرح، ولم يعلم أنه استأمن الذئب على الغزال. ​ذهب محمد ليكون وسيطاً، لكنه حين رأى جمال جدتي، خان الصديق والأمانة، وقرر أن يخطبها لنفسه! وافق الجد فوراً، فقد رأى فيه السبيل الوحيد لإحياء النسل والحفاظ على السلالة من الفناء. تزوّجت جدتي بـ "محمد" رغماً عن قلبها، وفي تلك الليلة.. انطفأت الغزالة تماماً. ​وزعت فساتينها الملونة، وتخلصت من خواتمها الفضة وعقودها، ولبست...

قصة الحمار والوزير 💚

صورة
  ​يُحكى أن ملكاً أراد أن يختبر ذكاء وزرائه، فجاء بحمار ووضعه في وسط القاعة، ثم قال لهم: "من يستطيع منكم أن يعلّم هذا الحمار القراءة والكتابة في غضون عشر سنوات، سأعطيه ألف كيس من الذهب، ومن يفشل سأقطع رأسه!" ​خاف جميع الوزراء وانسحبوا، إلا وزيراً واحداً تقدم وقال: "أنا أفعل ذلك يا مولاي، ولكن بشرط أن تعطيني الألف كيس من الذهب الآن لأنفق منها على تعليم الحمار." وافق الملك وأعطاه المال. ​خرج الوزير إلى بيته ومعه الحمار وأكياس الذهب، فلحق به صديقه وهو يرتجف قائلاً: "ويحك! هل جننت؟ كيف تعلّم حماراً القراءة؟ ستُقطع رأسك لا محالة!" ​ضحك الوزير بهدوء وقال: "يا صديقي، لقد طلبت مهلة عشر سنوات، وفي هذه السنوات العشر، سيحدث أحد أمور ثلاثة:" ​إما أن يموت الملك. ​أو أموت أنا. ​أو يموت الحمار! ​وفي كل الحالات، سأكون قد استمتعت بالذهب وعشت عشر سنوات في رغد من العيش! ​العبرة من القصة ​الذكاء في التعامل مع الأزمات: أحياناً يكون الحل ليس في مواجهة المشكلة المستحيلة وجهاً لوجه، بل في "شراء الوقت" أو البحث عن مخرج ذكي يجنبك الصدام المباشر. ​عدم القلق من ال...

العمود الذي انكسر

صورة
  ​كان أبي هو "خارطة الطريق" ومنار البيت الذي لا ينطفئ. في غزة، الأب ليس مجرد رجل يوفر لقمة العيش، بل هو الجدار الذي نستند إليه حين تهتز الأرض تحت أقدامنا. كان والدي يمتلك ضحكةً قادرة على امتصاص خوفنا من أزيز الطائرات، وكان يهمس لنا دوماً: "لا تخافوا.. نحن أوتاد هذه الأرض، والأوتاد لا تقتلعها الريح". ​في ليلةٍ غاب فيها القمر، واكتفت السماء بنور الصواريخ المرعب، كنا نجلس في زاوية الغرفة التي ظنناها "آمنة". فجأة، انشق السقف وكأن القيامة قد قامت. غبارٌ خانق، صمتٌ مفاجئ، ثم صراخٌ مكتوم تحت أطنان من الإسمنت. شعرتُ بثقل الجبال فوق صدري، وبدأتُ أتحسس بيدي وسط الظلام الدامس، أبحث عن أي شيء يربطني بالحياة. ​تعثرت يدي بيده.. كانت تلك اليد الخشنة التي طالما مسحت على رأسي وطمأنتني. أخذتُ أصرخ: "يا أبا يوسف.. رد عليّ يا أبي!". لكن اليد التي كانت تفيض دفئاً، بدأت تبرد بين أصابعي. كانت أصابعي تتخلل غبار الركام لتلمس نبضه الذي توقف، في تلك اللحظة لم يسقط البيت فحسب، بل انكسر العمود الذي يحمل روحي. ​خرجتُ من تحت الأنقاض معجزةً، بكيانٍ ممزق وقلبٍ يتيم. رأيتُ جثمان...