سُقيا الجذور..
"كنتُ أظن أن المحن تأتي لتقصمنا، حتى اكتشفتُ أنها تأتي لتُخرج أجمل ما فينا. بدأت مأساتي حين فقدتُ عملي وتراكمت الديون، وفي نفس الوقت أصيب والدي بمرض 'الزهايمر'.
لم يعد والدي يعرفني، أصبح كطفلٍ تائه في جسد رجل مسن، يحتاج لرقابة على مدار الساعة ورعاية طبية تفوق قدرتي المالية بمراحل. كانت أمي تجلس بجانبه بقلبٍ مكسور، لا تملك إلا الدعاء ودموع العجز. ضاقت بنا الحال حتى بدأتُ أبيع أثاث بيتي قطعةً قطعة لأوفر ثمن أدويتهما، ووصلتُ لمرحلة أنني بعتُ حتى "ساعتي" التي كانت ذكرى غالية لأشتري له جرعة علاج واحدة.
كان أصدقائي يلومونني: 'أنت تضيع شبابك وتبيع مستقبلك من أجل مريض لا يدرك من أنت!'.. لكنني كنتُ أنظر لوجه أمي الصابر ولوالد الذي نسيني ولم ينسه قلبي، وأقول: 'رزقي على من جعلني سبباً في بقائهما بكرامة'. كنتُ أحمل والدي على كتفي، وأطعمه بيدي، وأحتمل نوبات غضبه وضياع ذاكرته بصدرٍ رحب.
وفي ليلةٍ بلغت فيها القلوب الحناجر، طُرق بابي. كان محامياً يبحث عني ليخبرني أن قطعة أرضٍ قديمة جداً في القرية، كانت عائلتنا قد فقدت الأمل في إثبات ملكيتها منذ عقود، قد حُكم لنا بها، وأن شركة كبرى تريد شراءها بمبلغٍ يغير مجرى حياتنا تماماً.
انهمرت دموعي وأنا أنظر لأمي، فقالت لي بكلماتٍ لا أنساها: 'لقد بعتَ دنياك لأجلنا، فاشترى الله لك الدنيا والآخرة'. شفى الله والدي من نوبات الألم، وعشتُ بقية عمري في سعةٍ لم أحلم بها، وأيقنتُ أن بر الوالدين هو المفتاح الذي يكسر أقفال المستحيل."
البر الحقيقي لا يظهر في الرخاء، بل يظهر حين تبيع "علاجك" لتشتري "علاجهما"، وحين تمنحهما ذاكرتك حين تضيع ذاكرتهما. من أكرم أصوله في أشد ساعات عسرتهم، سخر الله له الكون ليجبر خاطره في أشد ساعات حاجته.

تعليقات
إرسال تعليق