رائحة الخبز المفقود
أمي لم تكن مجرد امرأة تدير شؤون بيتنا، كانت هي "البلاد" في عيني؛ رائحتها، صوتها، وحتى توبيخها لنا كان يشعرنا أن العالم بخير. في غزة، الأم هي التي تصنع المعجزات من "لا شيء"؛ تطعمنا من الجوع، وتدثرنا من البرد، وتنسج لنا من الخوف قصصاً عن الصمود لكي ننام.
حين اشتد القصف وأُجبرنا على النزوح، لم تحمل أمي معها ذهباً ولا مالاً، بل حملت "صاجاً" قديماً وقليلاً من الدقيق، وقالت: "ما دام فينا نَفَس، لن يجوع صغاري". وفي خيمتنا الباردة، كانت تستيقظ قبل الشمس، تجمع أغصان الشجر الجافة لتشعل ناراً، وتصنع لنا خبزاً يفوح برائحة الكرامة. كنا نلتف حولها، لا لنتدفأ بالنار فحسب، بل لنتدفأ بوجودها الذي يطرد شبح الموت عن قلوبنا.
في طريق نزوحنا الطويل والموحش، وسط الزحام وتحت أنظار الطائرات، وقع ما كنت أخشاه. دوى انفجارٌ قريب، غطى الغبار الوجوه، وحين انقشع، وجدتُ أمي ممددة على الأرض. كانت قد احتضنت أخي الصغير بجسدها لكي تحميه، فاستقرت الشظايا في ظهرها الحنون.
ماتت أمي وهي ممسكة بصرة خبزنا الصغير. رحلت "رائحة الأمان"، وبقيتُ أنا، فتاةً لم تبلغ العشرين، أقف أمام طاحونة الحياة وحدي. ماتت ولم تودعني، تركتني أواجه الريح والجوع، وأحاول أن أتقمص دورها أمام إخوتي. المؤلم ليس الفقد فحسب، بل تلك اللحظة التي يسألني فيها أخي الصغير كل ليلة: "متى ستعود أمي لتطعمنا من خبزها؟". فأخبئ دمعي خلف النار، وأحاول أن أصنع له خبزاً، لكنه أبداً لا يشبه خبز أمي.
قد يقتلون الأمهات، لكنهم لا يقتلون "الأمومة" التي زرعنها فينا. نحن فتيات فلسطين، نكبر قبل الأوان، ونتعلم الصبر قبل الكلام. سأربي إخوتي كما أرادت أمي، سأطعمهم الكرامة قبل الخبز، وسأبقى صامدة كشجر الزيتون؛ جذوري في الأرض، وعيني على السماء، بانتظار يومٍ نعود فيه لبيوتنا، لنخبز للأحرار خبز النصر.

تعليقات
إرسال تعليق