أمانة الخياط وفراسة القاضي

 


​في مكة المكرمة، وبينما كان الحجيج يستعدون لرحلتهم المقدسة، كان هناك رجلٌ يحمل في جعبته قطعة من الحرير الفاخر وصرة من الذهب. خاف الرجل على ماله من وعثاء السفر، فبحث عن مأمنٍ يودع فيه شقاء عمره، فدلوه على خياطٍ يرتدي ثوب الصلاح ويذكره الناس بالتقوى. استودعه الرجل أمانته ومضى لربه مطمئناً.

​حين عاد الحاج من رحلته، والبهجة تملأ صدره، قصد حانوت الخياط ليسترد أمانته. لكن الصدمة كانت أقوى من كل توقع؛ فقد تجهم وجه الخياط، وأنكر المعرفة، بل وصرخ في وجه الرجل متهماً إياه بالنصب والافتراء، وطرده أمام الناس ذليلاً مكسوراً.

​لم يجد الرجل المظلوم بداً من اللجوء إلى القاضي "إياس بن معاوية"، الذي كان يُضرب به المثل في الفراسة والذكاء. استمع القاضي للحكاية بهدوء، ولم يطلب شهوداً أو بيّنة، بل قال للرجل:

— "اذهب الآن، وعد إلى دكان الخياط غداً، واجلس أمامه بصمت.. لا تكلمه ولا تطلب منه شيئاً. افعل ذلك لثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع سأمرُّ عليك أنا".

​نفذ الرجل الخطة، وجلس أمام الحانوت كطيفٍ صامت يراقب الخياط الذي كان يتجاهله بغرور. وفي اليوم الرابع، مرَّ القاضي إياس في موكبه المهيب وحاشيته، وحين رأى الرجل الجالس، أوقف خيله ونزل ليعانقه بحرارة أمام ذهول الخياط، وقال بصوتٍ سمعه كل من في السوق:

— "أهلاً بصديقي الوفي! طال غيابك عن دارنا، هلا زرتنا قريباً؟ وإن احتجت لشيء فلا تتردد، فلك عندنا ما لا يرد".

​انصرف القاضي، وترك الخياط ترتعد فرائضه؛ فقد ظن أن الرجل الذي سرقه هو المقرب من القاضي، وأن حبل المشنقة قد اقترب من عنقه. وبسرعةٍ لم يتخيلها أحد، نادى الخياطُ الرجلَ بابتسامةٍ صفراء تقطر زيفاً وقال:

— "يا أخي، سامحني! لقد غاب عن بالي مكان الأمانة من كثرة الشغل، تفضل.. ها هو ذهبك وحريرك كما استودعتهما".

​أخذ الرجل حقه، وشكر القاضي على حيلته التي أعادت الحق لأصحابه دون سيفٍ أو سوط. أما الخياط، فقد استدعاه القاضي لاحقاً ليؤدبه ويعلمه أن ثوب التقوى لا يستر يد السارق.

ليس كل من تزيّا بزيّ الصلاح صادقاً، فالمعادن تظهر عند الدراهم. والحق الذي لا تحميه القوة، يحميه "العقل"؛ فالفطنة في مواجهة الخديعة هي نصف العدل.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الحجر الاسود

الوفاء بالعهد

السيره النبويه العطره 46