العمود الذي انكسر
كان أبي هو "خارطة الطريق" ومنار البيت الذي لا ينطفئ. في غزة، الأب ليس مجرد رجل يوفر لقمة العيش، بل هو الجدار الذي نستند إليه حين تهتز الأرض تحت أقدامنا. كان والدي يمتلك ضحكةً قادرة على امتصاص خوفنا من أزيز الطائرات، وكان يهمس لنا دوماً: "لا تخافوا.. نحن أوتاد هذه الأرض، والأوتاد لا تقتلعها الريح".
في ليلةٍ غاب فيها القمر، واكتفت السماء بنور الصواريخ المرعب، كنا نجلس في زاوية الغرفة التي ظنناها "آمنة". فجأة، انشق السقف وكأن القيامة قد قامت. غبارٌ خانق، صمتٌ مفاجئ، ثم صراخٌ مكتوم تحت أطنان من الإسمنت. شعرتُ بثقل الجبال فوق صدري، وبدأتُ أتحسس بيدي وسط الظلام الدامس، أبحث عن أي شيء يربطني بالحياة.
تعثرت يدي بيده.. كانت تلك اليد الخشنة التي طالما مسحت على رأسي وطمأنتني. أخذتُ أصرخ: "يا أبا يوسف.. رد عليّ يا أبي!". لكن اليد التي كانت تفيض دفئاً، بدأت تبرد بين أصابعي. كانت أصابعي تتخلل غبار الركام لتلمس نبضه الذي توقف، في تلك اللحظة لم يسقط البيت فحسب، بل انكسر العمود الذي يحمل روحي.
خرجتُ من تحت الأنقاض معجزةً، بكيانٍ ممزق وقلبٍ يتيم. رأيتُ جثمانه يُحمل على الأكتاف في "بطانية" مهترئة لعدم وجود أكفان. لم أستطع أن أبكيه كما يفعل الأطفال، فقد نظرتُ خلفي ووجدتُ أمي المذهولة وأخواتي الصغيرات اللواتي يرتجفن ضياعاً. في تلك اللحظة، توقفت طفولتي تماماً؛ مسحتُ دموعي بغبار ثيابي، ووقفتُ بصلابةٍ لا أعرف من أين أتتني.
قد يكسرون الأعمدة، لكنهم لا يستطيعون هدم السماء. لقد رحل أبي بجسده، لكنه ترك فيّ "وتداً" لا ينكسر. واليوم، أنا الصبي الذي لم يتجاوز الثانية عشرة، أقف في طابور الماء، وأحمل أكياس الدقيق، وأرعى أخواتي بقلب رجلٍ ذاق الموت وعاد ليحيى من أجل من يحب. نحن جيلٌ يولد من تحت الرديم، ليعلّم العالم أن الحق لا يموت ما دام وراءه طفلٌ رضّعته أمه الصبر مع الحليب.

قصه جميله عن الاب
ردحذف