توجيهي تحت الحصار..

  حلمٌ طُبع من رحم النيران



​أنا فتاةٌ من غزة، ابنةُ التاسعة عشرة، وقصتي ليست مجرد حكاية طالبة، بل هي رحلة صمودٍ بين الموت والحياة. بدأت رحلتي في "الثانوية العامة" بحلمٍ جميل، كأي فتاةٍ تتمنى أن تعيش أجواء النجاح بين أهلها وأحبابها، لكن في السابع من أكتوبر 2023، انكسر الحلم أمام هدير الطائرات.

​توقف كل شيء.. التعليم، الأمان، وحتى لقمة العيش. عشنا أياماً "لا يذيقها الله لأحد"؛ مجاعة ونزوح وفقدان. هل تتخيلون أننا كنا نفطر على "حساءٍ" خفيف، ونتغذى على بضع لقيمات من الأرز؟ الخبز الذي هو أبسط الحقوق، صار حلماً بعيد المنال. لكن رغم الجوع، بقيت الروح صامدة.

​بعد عام ونصف من الانتظار، قررت الوزارة استئناف الدراسة. في البداية ترددت، لكن بتشجيعٍ من أمي، قررتُ أن أضع حداً لهذه السنة الطويلة. بدأتُ الدراسة بهدفٍ واضح، رغم نزوحنا المتكرر وقلق أهلي عليّ. وفي الرابع عشر من إبريل 2024، ومع فرحة عيد الفطر، هددو منطقتنا.. نزحنا مجدداً، ومع النزوح وصلنا الخبر الصاعقة: "البيت قد سُويّ بالأرض".

​بكى قلبي على غرفتي، على كتبي، وعلى جدرانٍ كنت أحلم أن أعلق عليها شهادة نجاحي. انطفأ الحماس في داخلي، وتدمرت نفسيتي، لكنني حاولت النهوض من جديد. بدأتُ الاختبارات "إلكترونياً"، ولم تخْلُ من محاولات التعطيل، لكن الإصرار كان أقوى.

​في ليلة آخر اختبار، وبينما كنا نازحين عند ناسٍ كرام، قُصف المنزل المجاور لنا. انهار الجزء الذي كنا نسكن فيه، وأُصبتُ أنا وأختي. بطلوع الفجر، نزحنا نحو الجنوب بدمائنا وجروحنا. وفي الرابع عشر من أكتوبر 2024، ظهرت النتيجة.. حصلتُ على معدل (80.3%).

​لم يكن المعدل الذي طمحتُ إليه، والظلم كان كبيراً، لكن الفرحة كانت بأنني "انتهيت". بعد أسبوع واحد من نتيجتي، توقفت الحرب، لكن بقي الوجع؛ بيتي مهدم، ومنطقتي محتلة، وأنا محرومة من أبسط ذكرياتي فيها.

​يا من تقرأون كلماتي.. إن ما عشناه لا توصفه السطور. إن كنت لا تتحمل الإفطار على "معلبات" ليومين، فنحن عشنا عليها شهوراً. لذا، نصيحتي لكم: عيشوا حياتكم بكل تفاصيلها، تمسكوا بأهلكم، أحبوا بعضكم بصدق، واجلسوا مع من تحبون.. فلا أحد يعلم ماذا يخبئ له الغد.

​سامحوني إن أطلتُ عليكم، لكنها زفرة من وجعٍ طويل، وشهادةٌ على حلمٍ نبت بين الركام

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الحجر الاسود

الوفاء بالعهد

السيره النبويه العطره 46