سهمٌ رُدَّ إلى صاحبه
في إحدى القرى الجبلية البعيدة، كان يعيش "منصور"، وهو رجل عُرف بين الناس بصلابة قلبه وطباعه الحادة. كان منصور يمتلك قطيعاً كبيراً من الأغنام، وكان يمنع أي شخص من الاقتراب من بئر الماء الوحيدة التي تقع داخل حدود أرضه، حتى لو كان عابر سبيل يقتله العطش.
كان لجاره "صالح" طفلٌ صغير يعاني من ضعفٍ في بنيته، وكان صالح رجلاً فقيراً لكنه راضٍ، دائماً ما يردد: "من سقى نفساً، سقى الله قلبه يوم العطش الأكبر". وفي يومٍ من الأيام، وبينما كان منصور غائباً في السوق، مرّ رجلٌ غريب بالقرية، يبدو عليه التعب والإنهاك الشديد، فاستقبله صالح وأطعمه وسقاه من حصة ابنه الوحيدة من الماء.
حين عاد منصور وعلم أن صالحاً سمح لغريب بأن يرتاح في ظل شجرة قريبة من بئر "منصور"، استشاط غضباً. وبدلاً من أن يشكر الله على النعمة، قرر أن ينتقم من جاره صالح. حفر حفرةً عميقة ومغطاة بالأغصان في الطريق الوعر الذي يسلكه ابنه الصغير حين يذهب للمرعى، ليقع فيها ويُصاب بكسور تؤدبه هو ووالده.
في تلك الليلة، وبينما كان منصور يضع اللمسات الأخيرة على حفرته الغادرة، سمع صوتاً في الظلام خلفه، ففزع وظن أن أحداً كشف أمره. فجأة، تعثرت قدمه وكاد يسقط هو في حفرته! لكن يداً قوية امتدت من الظلام وقبضت على ثيابه في اللحظة الأخيرة ومنعته من السقوط والموت المحقق.
حين استدار منصور ليرى من أنقذه، وجد ابنه هو! كان الابن يرتجف خوفاً ويحمل في يده "قربة ماء". صرخ منصور: "ما الذي جاء بك إلى هنا في هذا الوقت؟".
بكى الابن وقال: "يا أبي، لقد ضللتُ طريقي في الجبل وأنا أبحث عن خروفٍ ضائع، وكدتُ أموت من العطش والبرد، لولا أن الجار 'صالح' رآني وأنا أتخبط في الظلام، فأخذني إلى بيته وأسقاني من ماء ابنه، ثم أصرّ أن يرافقني حتى أوصلني إلى حدود أرضنا ونبّهني من وعورة هذا الطريق".
سقط منصور على ركبتيه أمام حفرته التي حفرها بيديه، وأدرك أن الحفرة التي أراد بها كسر ابن جاره، كادت أن تكون قبراً لابنه الوحيد لولا "معروف" صالح الذي سقى الغريب وسقى ابنه الضائع.
أدرك منصور حينها أن (الخير سهمٌ تطلقه فيعود إليك محملاً بالنجاة، والشر فخٌ تنصبه فلا يقع فيه غيرك). ومنذ ذلك اليوم، هدم الحفرة وفتح بئره لكل عابر سبيل، فمن كان قريباً من الله بالمعروف، كان الله له حارساً من سوء نفسه.

تعليقات
إرسال تعليق