حصاد الظلم..

 


​وُلدتُ عام 2000 في حمص، ولم أكن أعلم أن طفولتي ستنتهي سريعاً مع صرخات الحرية الأولى. كنتُ في الحادية عشرة حين بدأت المظاهرات؛ نخرج بوجوهٍ مغطاة، لا يظهر منا إلا عيوننا التي يملأها الخوف والأمل، نهتف ونركض ونحن نخشى الملاحقة في كل زقاق. وفي الشقة المقابلة لنا، كان يسكن جارنا مع زوجته وابنته، رجلٌ اختار أن يبيع جيرانه مقابل "تقارير" أمنية يرفعها للسلطة.

​في يوم "جمعة" لن أنساه، خرج والدي لساحة "الساعة" حيث احتشد الآلاف. طوّق الجيش الساحة من كل جانب، وانهمر الرصاص كالمطر؛ قُتل المتظاهرون، وكان والدي من بينهم. لم نستطع حتى انتشال جثمانه، فالموت كان يحاصر الساحة، والملاحقة كانت بانتظار كل من يقترب.

​حين علمت أمي بالخبر، لم تمالك نفسها، خرجت تصرخ في الرواق بفقدان زوجها. كان الجار يراقب، وبكل خسة، كتب تقريراً يزعم فيه أنها تعمل "ضد الدولة". وفي اليوم التالي، اقتحمت الشرطة منزلنا واقتادت أمي إلى المجهول.. ولم تعد أبداً. تشتت أخوتي؛ هرب الأكبر إلى تركيا، أما الثاني فقد اعتقلوه، وقيل لنا لاحقاً إنه في "مسلخ" صيدنايا البشري.

​بقيتُ وحدي مع عمتي التي جاءت لتربيني بعد اعتقال زوجها هي الأخرى. كان أخي يرسل لنا القليل من المال من غربته لنقتات به، لكن الجار لم يتركنا في حالنا. لم يمر يوم دون إزعاج أو تهديد. وصلت به الدناءة أن حاول اغتصاب عمتي، وهددها علانية: "إما الخضوع أو السجن والقتل". لم يكتفِ بذلك، بل هددني أنا الطفلة بالاغتصاب والقتل أيضاً. هربنا بكرامتنا إلى الخيام، بعيداً عن ذلك الوحش البشري.

​مرت السنين بمرارتها، قاومتُ قسوة اللجوء ودرستُ حتى تخرجتُ "طبيبة بشرية". ومع تبدل الأحوال، علمنا بالخبر اليقين: أمي وأخي قُتلا تحت التعذيب في السجن. وعلمنا أيضاً أن ذلك الجار نال جزاءه وقُتل أثناء المعارك.

​عدنا إلى منزلنا بقلوبٍ مكسورة، وهناك رأينا زوجة الجار تبكي بحرقة؛ ابنتها الوحيدة أصيبت بسرطان حاد في الرئة، وماتت خلال أيام معدودة. لم تحتمل الزوجة وقع الصدمة، فأمسكت بمسدس زوجها لتنهي حياتها، وقبل أن تضغط على الزناد، خرجت منها صرخة مدوية هزت المكان: "هذا جزاؤنا بما فعلناه بجيراننا!". كانت تنطق بالحق وكأن صوتاً آخراً يسكنها، يعترف بالظلم قبل الرحيل.

​الله يمهل ولا يهمل، يعطيك الوقت لعلّك تتوب، لكنه لا ينسى. وما تفعله اليوم من قبح، سيطاردك في أعز ما تملك، فالحياة ميزان دقيق لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الحجر الاسود

الوفاء بالعهد

السيره النبويه العطره 46