"نبع الصفا"
بدأت قصتي بقرارٍ اتخذتُه في لحظة ظننتُ فيها أنني أملكُ زمام الأيام؛ قررتُ تأجيل الإنجاب وسلكتُ طريقاً طبياً دون استشارة، وبقيتُ على هذا الحال خمس سنوات. وحين استيقظ في داخلي حنين الأمومة، صفعني الواقع بكلمات الطبيبة: "لقد تضررت هرموناتك، ولا أستطيع أن أعِدكِ بشيء.. الأمر الآن بيد الله وحده".
رأيتُ في عيني زوجي بريق الأمل وهو ينطفئ، وحين جاءني يوماً بكلماتٍ متعثرة يطلب الإذن بالزواج ثانية ليرزق بالذرية، لم أملك إلا أن أقول له: "هذا حقك، والقلبُ راضٍ". وتزوج بالفعل، وما هي إلا شهور حتى رُزق بتوأمٍ ملأ عليه حياته.
في تلك اللحظة، لم أسمح للغيرة أن تأكل روحي، بل قلتُ لنفسي: "إن منحتْه هي الأبناء، سأمنحه أنا السكينة". صرتُ له زوجةً وصديقة، تفننتُ في تجميل حياته وحسن عشرته، وبذلتُ كل ما في وسعي ليكون بيتي هو واحة راحته.
وفي ليلةٍ هادئة، فاجأني بقولٍ هزّ كياني:
— "أريد أن أطلق زوجتي الثانية، لم أجد راحتي إلا معكِ، وسأضم الأبناء لتربيهم معي هنا".
هنا، وقفتُ وقفةً تليقُ بامرأةٍ تخاف الله، وقلتُ له بحزمٍ ممزوجٍ بالرحمة:
— "أعوذ بالله! كيف أقبل بخراب بيتِ امرأةٍ لم تؤذني؟ هؤلاء أطفالٌ لا ذنب لهم، وأمهم صانت بيتك. لا تجعلني سبباً في ظلمها، اتقِ الله فيهم، وأنا باقيةٌ معك على عهدي ومودتي".
بعد هذا الموقف، بدأتُ أرى في منامي رؤيا تتكرر؛ حمامةٌ بيضاء ترفرف بجناحيها فوق رأسي وكأنها تبتهل للسماء. وحين سألتُ عن تفسيرها، قيل لي: "هناك قلبٌ نقيّ يدعو لكِ بصدق، ودعاؤه هو مفتاح فرجك".
ومرت الأيام، وشعرتُ بتغيراتٍ لم أعهدها، وحين فحصتني الطبيبة ذاتها، ذهلت وقالت: "سبحان من يحيي العظام وهي رميم.. أنتِ حامل!". عدتُ لبيتي أزف البشرى، وحين أخبرتُ "ضرتي"، احتضنتني وهي تبكي بحرقة وقالت:
— "والله، منذ الليلة التي رفضتِ فيها طلاقي وحفظتِ لي بيتي وأطفالي، وأنا أرفع يدي للسماء في كل سجدة، وأدعو الله أن يجبر خاطرك ويرزقك كما رزقني".
ولم يرزقني الله بطفلٍ واحد، بل بخمسة أبناء، وصارت تلك المرأة هي أقرب الناس لقلبي. فالحياة ليست صراعاً، بل هي "نوايا"؛ ومن صفت نيته، فتح الله له أبواب المعجزات.
ا

تعليقات
إرسال تعليق