سائق الظلام
بقلم ولاء حمدي
كانت الساعة تشير إلى الثالثة والنصف فجراً. الطريق الصحراوي الممتد أمام "خالد" بدا وكأنه شريط أسود لا نهاية له، يبتلعه ظلام حالك لا تكسره سوى أضواء سيارته الصفراء المتهالكة. كان عائداً من وردية عمل ليلية مرهقة في موقع بناء ناءٍ، وكل ما أراده هو الوصول إلى سريره.
الجو داخل السيارة كان خانقاً رغم برودة الليل بالخارج. الصمت كان ثقيلاً، أثقل من المعتاد. حاول خالد تشغيل المذياع ليبدد شعوره بالوحشة، لكن كل المحطات كانت تبث تشويشاً مزعجاً (وشوشة) بيضاء، تتخللها أحياناً أصوات بعيدة غير مفهومة، بدت وكأنها آهات مكتومة.
أطفأ المذياع بضجر. ركز بصره على الطريق. على مسافة بعيدة، لاحت له أضواء خافتة. حين اقترب، تبين أنها سيارة قديمة متوقفة على جانب الطريق، وغطاء محركها مرفوع ويتصاعد منه دخان خفيف. بجانب السيارة، وقف رجل طويل القامة، يرتدي معطفاً داكناً، وجهه مظلل بالكامل ولا يظهر منه شيء.
تردد خالد. قوانين الطريق الصحراوي ليلاً تحذر من التوقف للغرباء، لكن شيئاً ما في وقفة الرجل الساكنة تماماً جعله يشعر بالشفقة... أو ربما بالفضول المشوب بالخوف.
هدأ من سرعته وتوقف على بعد أمتار قليلة أمام السيارة المعطلة. أنزل زجاج نافذته قليلاً ونادى بصوت حاول أن يبدو ثابتاً: "هل تحتاج مساعدة؟".
لم يتحرك الرجل. لم يجب. ظل واقفاً كتمثال شمعي يحدق في الفراغ باتجاه سيارة خالد.
شعر خالد بقشعريرة باردة تسري في عموده الفقري. قرر أن التحرك هو الخيار الأسلم. بدأ برفع زجاج النافذة ببطء وهو يضغط على دواسة الوقود.
في تلك اللحظة، وبسرعة غير بشرية، التفت الرجل برأسه نحو خالد. لم يكن له وجه. كانت هناك مساحة سوداء فارغة تماماً تحت القبعة، كأنها ثقب يمتص الضوء.
داس خالد على الوقود بكل قوته. انطلقت السيارة مصدرة صريراً عالياً، تاركة الكائن الغريب خلفها في الظلام. كانت دقات قلبه تتسارع كطبول الحرب، وأنفاسه لاهثة. ظل ينظر في مرآته الخلفية، متوقعاً رؤية أضواء سيارة تطارده، لكن الطريق خلفه كان فارغاً ومظلماً.
قاد لمدة عشرين دقيقة أخرى، يحاول تهدئة نفسه وإقناع عقله بأن ما رآه كان هلاوس ناتجة عن الإرهاق الشديد. "مجرد ظلال، مجرد تعب"، ردد لنفسه.
فجأة، تجمد الدم في عروقه.
على مسافة بعيدة أمامه، لاحت أضواء خافتة. سيارة قديمة متوقفة على جانب الطريق، غطاء محركها مرفوع. وبجانبها، نفس الرجل الطويل ذو المعطف الداكن، يقف بنفس السكون المرعب.
"مستحيل!"، صرخ خالد بصوت مبحوح. لقد تجاوزه منذ أميال! الطريق مستقيم ولا توجد طرق فرعية ليلتف منها.
هذه المرة، لم يفكر في التوقف. زاد من سرعته ليتجاوز الـ 140 كم/س. مر بجانب الرجل كالسهم. لم يلتفت إليه هذه المرة، بل ركز بصره للأمام فقط، مستجدياً ظهور أضواء المدينة في الأفق.
مرت عشر دقائق أخرى. العرق يتصبب من جبينه، ويداه ترتجفان على المقود.
ثم ظهرت الأضواء مرة ثالثة. نفس السيارة المعطلة. نفس الرجل.
لكن هذه المرة، كان هناك شيء مختلف. الرجل لم يكن واقفاً بجانب سيارته. كان واقفاً في منتصف الطريق تماماً، فاتحاً ذراعيه على مصراعيهما، وساداً المسار أمام خالد.
لم يكن هناك وقت للفرملة. أغمض خالد عينيه واستعد للاصطدام المروع.
مرت السيارة عبر الرجل وكأنه مصنوع من دخان. لم يشعر بأي ارتطام.
فتح عينيه لاهثاً، ونظر فوراً إلى المرآة الخلفية. الطريق خلفه كان فارغاً تماماً. لا رجل، لا سيارة معطلة. اختفى كل شيء.
أخيراً، لاحت أضواء المدينة في الأفق. شعر خالد بموجة عارمة من الارتياح. وصل إلى منزله، ركن السيارة بلهفة، وصعد الدرج جاعلاً درجتين في خطوة واحدة. أغلق باب شقته خلفه بالمفتاح والترباس.
ألقى بنفسه على الأريكة، لا يزال يرتجف. لقد نجا. انتهى الكابوس.
احتاج إلى غسل وجهه ليستعيد توازنه. دخل إلى الحمام، فتح صنبور المياه الباردة، وغمر وجهه فيها. رفع رأسه، والماء يقطر من ذقنه، ونظر إلى المرآة ليمسح وجهه بالمنشفة.
اتسعت عيناه في رعب صامت.
في انعكاس المرآة، لم يكن الحمام خلفه فارغاً.
في الزاوية المظلمة خلف كتفه الأيمن تماماً، كان يقف الرجل الطويل ذو المعطف الداكن. وفي المساحة الفارغة التي يفترض أن تكون وجهاً، بدأت تظهر ابتسامة بيضاء عريضة، مليئة بأسنان مدببة لا حصر لها.
وقبل أن يتمكن خالد من الصراخ، همس الصوت الذي سمعه في المذياع سابقاً، ولكن هذه المرة بوضوح تام من خلفه مباشرة:
"لقد توقفتَ أخيراً".
تجمد خالد في مكانه، لم تكن أطرافه تستجيب لأمره بالهرب، كان انعكاس المرآة يثبّته في مكانه كالفريسة أمام الأفعى. شعر ببرودة غير طبيعية تخترق ملابسه، برودة لا تأتي من طقس الشتاء، بل من أنفاس ذلك الكائن التي بدأت تلفح رقبته.
الابتسامة البيضاء في المرآة ازدادت اتساعاً حتى كادت تقسم وجه الكائن لنصفين، وفجأة، انطفأ نور الحمام تلقائياً.
في الظلام الدامس، لم يسمع خالد صراخاً، بل سمع صوت محرك سيارة أجرة يعمل بهدوء خارج باب شقته. كيف؟ هو في الطابق الرابع!
شعر بيد باردة تمسك بكتفه، لكنها لم تكن يد الرجل ذو المعطف، كانت يدًا أنعم، يد فتاة. ارتجف خالد وهو يشعر بأصابعها تضغط على جلده، وهمست في أذنه بلهجة مصرية مرتعشة: "ماتتحركش.. لو شافك بتبص له، مش هياخدك الطريق.. هياخدك هو."
فجأة، اشتعل النور مرة أخرى، لكن خالد لم يكن في حمام منزله.
وجد نفسه جالساً في المقعد الخلفي لسيارة أجرة قديمة. الزجاج أمامه كان ملطخاً بقطرات المطر وضباب الليل. نظر بجانبه، وجد الفتاة (ذات الملامح المصرية التي كانت في مخيلته) تنحني للأمام برعب، تحاول إبعاد يد السائق التي امتدت نحو المقعد الخلفي بشكل مريب.
نظر خالد إلى المرآة الأمامية للسيارة، وتوقف قلبه عن النبض لثانية.
السائق لم يكن الرجل ذو المعطف.. كان هو نفسه! رأى وجهه في المرآة بنظرات غامضة ومريبة، وكأنه يشاهد نسخة منه فقدت إنسانيتها.
انفتحت أبواب السيارة فجأة بقوة، ووجد خالد نفسه يُسحب للخارج في مكان مهجور تماماً. كان المكان يشبه ساحة خردة بجانب مبنى قديم مظلم.
هناك، تحت ضوء مصباح شارع وحيد يرتعش، وقف الرجل ذو المعطف الداكن، وبجانبه ظهر شخص جديد.. رجل يرتدي بالطو أبيض، ملامحه ممحية كأنها لوحة طُمست ألوانها، ويمسك في يده قطعة قماش بيضاء.
اقترب صاحب البالطو الأبيض من الفتاة التي كانت تصرخ بصمت، بينما وقف "خالد السائق" يراقب ببرود. حاول "خالد الحقيقي" التحرك لإنقاذها، لكن الرجل ذو المعطف الداكن وضع يده على صدر خالد، وهمس بصوت يشبه حفيف الأشجار الميتة:
"الدورة يجب أن تكتمل يا خالد.. أنت لم تكن الضحية الليلة.. أنت كنت المتدرب."
نظر خالد إلى يده، وبدأ يلاحظ أن ملامح جلده بدأت تختفي، وتتحول إلى مساحة ملساء سوداء. نظر إلى سيارة الأجرة، فرأى شخصاً آخر يجري نحوها في الأفق، شخصاً يشبهه تماماً وهو عائد من وردية عمله الليلية.
أدرك خالد الرعب الحقيقي؛ الطريق الصحراوي لم يكن مكاناً، بل كان فخاً زمنياً، يصطاد المرهقين ليحولهم إلى حراس للظلام.
أمسك الرجل ذو البالطو الأبيض بقطعة القماش ووضعها على وجه خالد، وبدأت الرؤية تتلاشى وهو يسمع صوت سيارته القديمة تقترب من بعيد.. وصوت نفسه (النسخة القديمة) وهي تسأل من وراء الزجاج:
"هل تحتاج مساعدة؟"
ابتسم خالد (أو ما تبقى منه) ابتسامة عريضة، مليئة بأسنان مدببة، واستعد ليجيب.. لكن هذه المرة، لن يحتاج لمذياع ليوصل صوته.


تعليقات
إرسال تعليق