صندوق الموسيقى الأخير


 

بقلم / ولاء حمدي

أنا "سالم"، جامع تحف قديمة مهووس بكل ما يحمل بصمة الماضي. مدونتي المتخصصة في "قصص القطع الملعونة" كانت مصدر شهرتي القليلة. لكن القطعة التي وجدتها الليلة الماضية لم تكن مجرد قطعة، كانت ثقلاً بارداً يلتف حول روحي.

كانت صندوق موسيقى، صغير، نحاسي، مغطى بصدأ أخضر خفيف، ونُقش عليه مشهد بالٍ لراقصة باليه صامتة. اشتريته من بائع متجول في سوق الجمعة بسعر زهيد، ليس لأنه لم يكن يدرك قيمته، بل لأنه كان يتوسل إليّ للتخلص منه.

قال لي البائع بصوت متهدج: "سالم بك، خذه مجاناً، لكن لا تفتحه بعد منتصف الليل أبداً."

بالطبع، لم آخذ تحذيره على محمل الجد. فالرعب هو تجارتي، والمنطق هو سلاحي.

في منتصف الليل تماماً، بينما كانت الرياح تُصفّر خارج النافذة، جلستُ في مكتبي المضاء بمصباح واحد. وضعت الصندوق على الطاولة، وبكل برود، رفعت الغطاء.

انبعث منه لحن عتيق، لحن بيانو هادئ وغريب، أشبه بتنهيدة طويلة. بدأت راقصة البالية الصغيرة تدور ببطء، لكن وجهها كان مثيراً للقلق. لم تكن لها ملامح محددة، فقط بقعة بيضاء ناعمة، وكأنها ترتدي قناعاً من الشمع.

كتبتُ في مدونتي تفاصيل القطعة: "اللحن هادئ ولكنه يحمل نبرة من الحزن العميق، كما لو كان يبكي على أمر لا يمكن تداركه. القطعة سليمة."

بعد بضع دقائق، توقف اللحن، ونزلت الراقصة، وأغلقت الغطاء. شعرت بالخيبة. لا شيء خارق للعادة.

ذهبت إلى السرير.

استيقظت على صوت اللحن. كانت الساعة الثالثة فجراً. كان الصندوق مغلقاً على مكتبي، لكن اللحن كان يملأ الشقة.

قفزت من السرير، وهرعت إلى المكتب. كان الصندوق في مكانه، مغلقاً، لكن الراقصة كانت تدور في الداخل، تستطيع سماع صوت دورانها الخفيف واحتكاك تروسها.

فتحت الغطاء بسرعة. توقف اللحن فجأة، وعادت الراقصة إلى وضع السكون.

"مؤقت غريب، لا أكثر." أقنعت نفسي.

أعدت الغطاء بإحكام وتأكدت من عدم وجود أي طريقة لفتحه ذاتياً.

 عدت للنوم، لكن النوم هجرني.

عندما رن منبه الصباح، كان اللحن قد بدأ للتو.

تكرر الأمر لثلاثة أيام متتالية.

يبدأ اللحن في الثالثة فجراً، والصندوق مغلق. عند الفتح، يتوقف.

في الليلة الرابعة، قررت أن أراقب. جلستُ في الظلام، عيني مثبتتان على الصندوق.

في الساعة 3:00 بالضبط، لم يبدأ اللحن.

بل بدأ الصمت يتكثف. شعرتُ ببرودة مفاجئة، وكأن أحدهم فتح نافذة على حقل ثلجي.

ثم سمعتُ صوتاً. لم يكن لحناً، بل صوت حركة بطيئة آتية من الصندوق. كانت الراقصة تدور، لكن هذه المرة، لم يكن دورانها ميكانيكياً.

فجأة، بدأت الراقصة ترفع يديها البيضاوتين ببطء، حركة غير موجودة في آلية الصندوق. ثم، وببطء أشد، بدأت تدير وجهها الشمعي نحوي.

لم يكن لها ملامح، ولكن في لحظة دورانها الأخيرة، رأيتُ عينيها.

كانتا بقعتين صغيرتين من العتمة المطلقة، لا بياض فيهما ولا سواد، فقط فراغ بارد.

صرختُ صرخة خافتة، وفتحت الغطاء.

توقفت الراقصة على الفور. لكن هذه المرة، لاحظت شيئاً مروعاً. الخيط الأزرق الرفيع الذي كان يمثل وشاحها في النقش، كان قد فُكّت منه غرزة واحدة.

الراقصة كانت "تخرج" غرزة تلو الأخرى.

ا

في اليوم التالي، نشرتُ آخر تدوينة لي: "لقد أدركت أن الصندوق لا يعزف لحناً، بل يسجل صمتاً.

إنه لا يفتحه أحد ليعزف، بل الراقصة تستيقظ لتصنع شيئاً آخر.

 كل ليلة، تفك غرزة من وجودها المادي وتتحرك.

 واللحن الذي نسمعه ليس سوى الصوت الذي تصدره روحها وهي تتحرر من جسد النحاس."

في الليلة الخامسة، لم أستطع النوم. انتظرت الثالثة فجراً.

بدأ الصندوق يرتعش، وبدأ اللحن يصدح، لكنه كان نشازاً، كأن البيانو يصرخ.

هذه المرة لم أفتح الغطاء.

لم أستطع.

 نظرتُ إلى الصندوق.

عندما توقف اللحن فجأة، بعد دقيقة مروعة، انفتح الصندوق بنفسه.

لكن الراقصة لم تكن هناك.

مكانها كان فارغاً تماماً. وعلى الغطاء الداخلي، حيث كانت ترتكز، وُجدت بكرة صغيرة من الخيط الأزرق المنسل، وملفوفة حولها خصلة واحدة من شعر بشري، لونها يطابق لون شعري تماماً.

منذ تلك الليلة، لا أستطيع إغلاق باب غرفتي.

لأنني أعلم أن الراقصة لم تعد في الصندوق.

لقد أنهت لحنها، وأخذت خيطها الأخير، وهي الآن حرة، تدور ببطء في صمت هذا المنزل، وتنتظر منتصف الليل التالي لتبدأ الرقص على مسرح جديد.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الحجر الاسود

الوفاء بالعهد

السيره النبويه العطره 46