بهلول المجنون
جلس بهلول ذات يومٍ فوق أحد القبور، وقد بدا عليه سكون الزاهدين وطمأنينة من أدرك حقيقة الدنيا، فمرّ به هارون الرشيد، الخليفة يومها، يركب في زهو الملوك وهيبة السلطان، فلما وقعت عينه على بهلول قال له موبخًا: "يا بهلول، أما آن لهذا الجنون أن يزول؟"
ابتسم بهلول، ثم صعد بخفة إلى غصن شجرة قريبة، ونادى بصوت مرتفع:
"يا هارون، بل أنت المجنون... فمتى تعقل؟!"
توقف هارون عند جذع الشجرة، وقال مستنكرًا:
"أنا المجنون؟! وأنا الذي أركب الجياد وأقيم في القصور، وأنت تجلس بين الموتى؟!"
فأجابه بهلول بهدوء العارف:
"نعم، لأنني نظرت إلى الدنيا بعين البصيرة. رأيت أن القصر الذي تسكنه فانٍ، وأن هذا القبر باقٍ، فاخترت أن أُعمّر الباقي وأهجر الزائل. أما أنت، فعمّرت الفاني وخرّبت الباقي. أفلا ترى الجنون فيمن يخشى الانتقال من العمران إلى الخراب؟"
فاهتز قلب الخليفة من كلماته، وسرت قشعريرة في جسده، حتى ذرفت عيناه دموعًا خفيفة، وقال بخشوع:
"صدقتَ يا بهلول، والله إنك لعاقل."
ثم سأله بخشوع:
"زدني يا بهلول من حكمتك."
فأجابه:
"حسبك كتاب الله... ففيه الكفاية."
فقال الخليفة:
"إن كانت لك حاجة، فاطلبها تُقضى."
رد بهلول قائلًا:
"ثلاث حاجات إن قدرتَ عليها قضيتها لنفسك قبلي: زدني في عمري، وادفع عني ملك الموت، وضَمّن لي الجنة ونجّني من النار."
فقال هارون وهو مطأطئ الرأس:
"لا أقدر على شيء من هذا."
فقال بهلول:
"فما حاجتي إليك إذن؟ إنما أنت مملوك لا تملك، ومفتقر إلى من يملك الأمر كله."

تعليقات
إرسال تعليق