ظل شجرة التوت
ظل شجرة التوت
في قرية "المرج الأخضر"،
لم تكن شجرة التوت العتيقة التي تقف شامخة في ساحة منزل الجدة "حورية" مجرد شجرة، بل كانت شاهداً حياً على خمسين عاماً من الحب الصامت والفراق المرير.
كانت حورية، وهي الآن في الثمانين من عمرها، تجلس كل صباح تحت ظلها الوارف، تتأمل النقش الباهت على جذعها.
كان النقش يمثل قلبين متقاطعين، محفورين بأيدي "حورية" و"إسماعيل" عندما كانا في ريعان الشباب.
كان إسماعيل وحورية جيران، جمعهما العشق تحت تلك الشجرة.
في يوم كان الجو فيه مشمساً دافئاً، حفر إسماعيل القلبين بلهفة، وقال لحورية بصوته العميق: "هذا القلب لن يزول، حتى لو أبعدتنا الدنيا، سنعود دائماً إلى ظل هذه الشجرة."
لكن الدنيا أبعدتهما بالفعل.
اندلعت حرب إقليمية مفاجئة، وتطوع إسماعيل، المهندس الشاب الذي كان يحلم ببناء بيتهما بجوار الشجرة، للخدمة العسكرية. كان الفراق موجعاً، لكن الوعد ظل حياً.
وعدته حورية بأنها لن تترك القرية، وستنتظره تحت الشجرة حتى يعود.
بعد شهرين من مغادرته، جاء الخبر: سقطت وحدته في كمين، واعتُبر إسماعيل في عداد المفقودين.
لم تجد حورية جثماناً تبكيه، ولا قبراً تزوره. وجدت فقط صمتاً موجعاً ووصية صامتة: البقاء.
بقيت حورية في بيت أسرتها، ترفض كل عريس يتقدم لخطبتها. لم تكن أرملة، بل كانت "منتظرة". بالنسبة لأهل القرية، كانت "مجنونة إسماعيل".
كرست حورية حياتها لتعليم أطفال القرية القراءة والكتابة، وتحولت غرفتها الصغيرة إلى مدرسة بسيطة.
لكن كل ليلة، كانت تتجه إلى شجرة التوت، وتمسح على النقش الباهت، وتكتب رسالة لإسماعيل.
لم ترسلها أبداً، بل كانت تضعها مطوية في تجويف صغير في الشجرة، ثم تغلقه بطبقة من الطين، وكأنها ترسلها إلى صندوق بريد سماوي. كانت تلك الرسائل هي طريقة حورية للحفاظ على عقلها وقلبها.
مرت العقود. تزوجت صديقاتها، كبر أطفالها، وهرمت حورية، وظلت شجرة التوت شامخة.
امتلأ التجويف بمئات الرسائل الصفراء، رسائل تحكي عن فرحتها عندما نجح أحد تلاميذها، وعن حزنها عندما توفيت أمها، وعن وحدتها التي لا تشفى.
في أحد الأيام، جاء حفيدها "أنس" ليساعدها في تقليم الشجرة. كان أنس طالباً في الهندسة، حنوناً ومهتماً بتاريخ عائلته.
بينما كان يقلم الغصون، شعر بشيء صلب في التجويف المغلق. فضوله قاده لفتح المكان بلطف، فظهرت مئات الرسائل القديمة، تحمل رائحة الورق العتيق والتوت المجفف.
أخذ أنس الرسائل، وقرأها جميعاً.
أدرك أن جدته لم تكن مجنونة، بل كانت عاشقة تفي بوعدها.
لكنه لاحظ شيئاً غريباً: الرسالة الأخيرة، المكتوبة قبل شهر واحد فقط، كانت تقول: "إسماعيل، أحاول أن أكون قوية، لكن الانتظار بات أطول من عمري.
أخشى أن يدركني الموت قبل أن أقول لك كم أحببتك. تعبت يا حبيبي."
في اليوم التالي، بينما كانت حورية تجلس في صمتها المعتاد تحت الشجرة، وصل أنس حاملاً ملفاً قديماً وعيناه تلمعان بالدموع.
قال بهدوء: "جدتي، لقد عثرت على شيء. بعد البحث في أرشيفات الجيش القديمة، وجدت سجلات 'المفقودين'.
لكن كان هناك تحديث متأخر."
مد أنس يده وأخرج وثيقة. "إسماعيل لم يمت في الكمين.
لقد أُسر، ونُقل إلى دولة مجاورة، واعتُبرت سجلاته مفقودة.
لقد أُطلق سراحه بعد عشرين عاماً، لكنه كان يعتقد أن الجميع قد نسيه، وعاش في عزلة يعمل نجّاراً في مدينة بعيدة."
توقفت أنفاس حورية. هذا ليس كل شيء.
"الأهم يا جدتي، هو ما وجدته في سجلات المستشفى قبل عامين." تابع أنس ودموعه تسقط.
"بعد إطلاق سراحه، عاد إسماعيل إلى 'المرج الأخضر'. لكنه لم يجرؤ على الاقتراب منكِ، خاف أن تكوني قد تزوجتِ ونسيتيه.
بدلاً من ذلك، عاد إلى شجرة التوت."
في صمت، أشار أنس إلى الجهة المقابلة من الجذع، خلف النقش الأصلي، حيث كان هناك نقش جديد، بالكاد يُرى، لقلبين متقاطعين جديدين.
"لقد عاد، يا جدتي، ولكنه لم يجرؤ على كسر صمتك.
كان يأتي كل يوم، يجلس تحت الظل المقابل، يشاهدك وأنتِ تُعلمين الأطفال، يبتسم لمرآكِ مطمئناً، ثم يرحل.
كان يرى أنكِ وفية لوعدكِ، وهذا كان يكفيه."
صدمت حورية.
كل تلك السنوات، لم تكن تنتظره فقط، بل كان ينتظرها هو أيضاً، على بعد أمتار قليلة، تحت نفس الشجرة.
نظر أنس إلى الملف، وقال: "لقد توفي إسماعيل منذ سنتين في المدينة المجاورة. لكنه ترك وصية. كانت ورقة واحدة، وضعها في صندوق أدواته.
لم يكتب إلا جملة واحدة: 'ادفنوني تحت شجرة التوت في المرج الأخضر، بالقرب من رسائلها.'"
في تلك اللحظة، لم تعد حورية ثمانينية، بل عادت فتاة في العشرين. لم تبكِ، بل ابتسمت بمرارة لاذعة. أدركت أن الانتظار لم يكن سدى، وأن العشق لم يمت. كل ما في الأمر أن صمتهما كان أطول من عمرهما.
في اليوم التالي، أُقيمت جنازة بسيطة لإسماعيل في القرية. دفنوه بالفعل تحت الشجرة، بجوار جذعها الذي حمل وعدهما.
جلست حورية تحت الشجرة، متمسكة بنقش قلبيهما، وهي تشعر ببرودة الأرض التي تضم جسده. لم تعد وحيدة، فقد كانت تجلس الآن في ظل شجرة التوت، فوق وعد لم يزُل، وبجانب رجل لم يغادر قط. كانت تعلم أن كل رسالة كتبتها قد وصلت، وأن الخيط الذهبي الذي ربطهما لم ينقطع أبداً، بل كان يمر تحت الأرض.

تعليقات
إرسال تعليق