انــفــصام
أنا بقالي 3 شهور ساكنة لوحدي في الشقة دي…
عمري ما كنت بخاف من الوحدة…
لكن اللي حصل آخر أسبوعين خلّاني أبص للباب كل شويّة…
وأتأكد مليون مرة إن مفيش حدّ ورايا.
أول حاجة حصلت كانت بسيطة…
كنت نايمة على ضهري،
فجأة حسّيت إن حد “عدّل اللحاف” عليّا.
مش نسمة هوا…
لمسة…
كأن حد بيظبطه حوالين كتافي.
فتحت عيني…
مافيش حد.
طب وأنا أصلاً قافلة الشبابيك كلّها.
قولت: "تهيؤات."
ثاني ليلة…
صحيت على صوت نفس…
نفَس قريب قوي…
قريب للدرجة اللي خلت روحي تطلع.
رفعت راسي من على المخدة…
مفيش أي حاجة.
بس الصوت…
كان جاي من ناحية الدولاب.
ساعتها قلبي اتقبض…
بس كمان قولت:
“يمكن أنا اللي بعمل صوت.”
وقعدت أضحك على نفسي.
أنا بطّلت أضحك بعدها بيومين.
لإنّي صحيت الصبح
ولقيت موبايلّي مفتوح على تسجيل…
تسجيل بصوتي.
الصوت بيقول:
"ما تفتحيش الباب… هو واقف."
أنا عمري ما قلت الجملة دي.
وصوتي كان مرعوب…
زي دلوقتي وأنا بحكيلِك.
قعدت أبص للموبايل…
وقلبي بيدق بطريقة مش طبعية.
لو فعلاً أنا اللي مسجلة الجملة دي—
ليه مش فاكرة؟
ولو مش أنا…
مين يقدر يعمل صوتي بالشكل دا؟
حاولت أهدّى نفسي…
لحد الليلة اللي سمعت فيها صرخة.
صرخة…
مش صرخة ألم.
صرخة واحدة…
حدّ بيشهق فجأة
زي لوّ اتفزع من نوم عميق.
الصرخة كانت جاية…
من أوضتي.
أنا كنت بالصالة.
وقفت في مكاني.
ما بتحركش…
ما بتنفّسش…
ما عرفتش أعمل ولا واحدة فيهم.
جريت…
وروّحت الأوضة ببطء…
فتحت الباب بعقلي، مش بإيدي…
وقولت:
"حدّ هنا؟"
ولا رد.
بس…
الهوى جوّا الأوضة كان دافئ بطريقة غريبة.
كأن حدّ لسه واقف.
دخلت بخطوة…
ولقيت علامة رجل
على السيراميك.
علامة واحدة بس…
صغيرة…
تقريبًا زَي رجلي.
والغريب؟
أنا كنت لابسة شراب.
طب مين اللي سايب العلامة دي؟
لما روّحت أغسل وجهي
وبصيت في المراية…
اتجمّدت.
المراية عليها بخار.
كأن حدّ وقف قدّامها يتنفس…
من ثانية.
مسحت البخار…
ولقيت كلمة مكتوبة بإيد حدّ:
“هترجعي إمتى؟”
أنا كنت واقفة جوّا الشقة.
إزاي حد بيطلب مني أرجع؟
ومَن إمتى في حدّ “معايا” أساسًا؟
أنا…
أنا بدأت أخاف بجد.
بجد.
وبقيت أنام بالأنوار مولّعة…
وأقفل الباب عليّا.
لكن قبل ما أنام…
كل ليلة…
أسمع الخطوة نفسها
ورا الباب من جوّا الشقة.
خطوة واحدة…
زيّ خطواتي…
بس أثقل…
وأبطأ…
وكأنها مستنياني أغلط غلطة واحدة بس.
أنا في الليلة دي كنت خلاص…
وصلت لمرحلة إني مش بنام.
كل صوت بيخضّني.
كل ظلّ بيخلّيني أبص حواليّا 10 مرات.
بقفل باب أوضتي…
وبحط كرسّي وراه…
وبشغّل نور الحمام…
ومع ذلك…
كنت سامعة الخطوة اللي بقت بتلاحقني في كل مكان.
الساعة كانت 2:41…
وبحاول أهدي نفسي.
قعدت على السرير،
وبصيت عند سرداب التهوية اللي فوق الدولاب…
وهنا حصلت أول صدمة.
الصوت اللي كنت بسمعه كل ليلة…
سمعته تاني.
لكن مش في الممر.
ولا جوّا الأوضة
الصوت كان فوق دماغي… جوّا السرداب.
“تَكّ… تَكّ…”
كأن حدّ ماسك جسمه جوا فتحة صغيرة،
وبيحاول يثبت نفسه…
وبيتحرك.
أنا اتجمّدت.
حياتي كلها في اللحظة دي وقفت.
جسمي بقى تلج.
ودماغي رافضة تصدّق.
لأن السرداب ده…
ضيق.
ديّق لدرجة حتى قطّة ما تدخلش.
يبقى إزاي في حدّ جوّاه؟
قمت من على السرير ببطء…
وحطّيت وداني جنب الحيطة…
وساعتها سمعت حاجة
خلّت روحي تنهزّ من مكانها:
صوت نفَس.
نفَس راجل.
تقيل.
وبيحاول ما يتسمعش.
أنا…
لو كنت أضعف بنسبة واحد بالمية،
كنت طلعت أجري من الشقة.
بس وقفت.
متحركتش.
وبعدين…
فجأة
فجـــــــــأة
السرداب
اترجّ.
كأن حدّ خبط راسه جوّاه.
ووقعت حتة جبس صغيرة على دولابي.
أنا صرخت…
وجريت على الباب…
وفتحت الأوضة
لكن الباب…
اتفتح لوحده قبلي.
وقف…
اتسمر…
من غير هوا…
من غير سبب.
وأنا خارجة،
سمعت حاجة
مستحيل أنساها:
ضحكتي.
ضحكتي أنا.
جايه من فوق… من السرداب.
ضحكة قصيرة… متكسّرة…
كأن حدّ بيقلّدني ومش بيعرف يقلّد صح.
جريت على الصالة…
وقفت هناك منهارة.
ولما ماسكت الموبايل علشان أتصل بأي حد…
وقعت قماشة صغيرة على الأرض.
قماشة…
سوداء…
متسخة…
أنا ما اهتمّتش في الأول.
بس وأنا برفعها…
لمحت حاجة صغيرة
مطبوعه على طرفها.
حاجة خلت كل الدم يهرب من جسمي:
اسم أمي…
مطبوع بخيط باهت…
زي اسمها على هدومها زمان.
وقف قلبي.
دي القماشة اللي كانت ماما بتخيط بيها زمان وهي بتخيط لبس البيت.
القماشة اللي اختفت بعد وفاتها.
وأنا عمري ما شفتها من يوم ما ماتت.
طب إيه اللي جابها هنا…
على أرض شقتي؟
مين جابها؟
ومين اللي بيدخل؟
ومين كان مع ماما قبل ما تموت؟
وبعد ما دماغي دخلت في ألف احتمال…
سمعت صوت.
صوت جاي من ناحية الحمّام…
باب الحمّام كان مقفول…
بس الضوء تحته باين.
الصوت كان…
صوت فُرشاية سنان.
حدّ بيستعملها.
حدّ بيغسل سنانه…
جوا حمّامي.
أنا اتخشّبت.
أنا لوحدي.
أنا متأكدة إني لوحدي.
ومع ذلك…
في حدّ بيغسل سنانه قدّامي.
قربت…
رجلي بتتهزّ…
ولما قربت أكتر…
سمعت صوت حركة.
حدّ اتحرك ناحية الباب.
وبعدين…
الباب اتفتح
نص فتحة
من غير ما حد يلمسه.
وخرج منه…
ريحة البرفان اللي كان زوج أمي بيستعمله.
ريحته.
نفسها.
نفس النوع.
نفس الثقل.
والغلط…
الغلط اللي كشفه…
كان واقف ورا الباب،
سايب ظَلّ صغير…
بيلمس الأرض.
وظله…
كان أطول من الطبيعي.
وشبه البني آدم.
لكن مش كامل.
كأن في حاجة على ضهره…
حاجة بتلف حوالين جسمه…
وبتقرّبه للأرض.
“إزاي زوج أمي يدخل الشقة؟
وليه؟
وفين كان بيتخَبّى؟”
الإجابة…
جات لما رجعت خطوتين لورا
ورجلي خبطت في الكرسي اتكعبلت في حاجة كانت تحتيه…
شنطة قديمة.
شنطة تخص ماما.
والغلط اللي عمله…
إنه نسي يقفلها.
فتحتها…
لقيت جواها:
صور ليا وأنا نايمة
تسجيلات بصوتي
نسخة من مفتاح الشقة
وبرفان…
نفس ريحته
نفس اللي لسه طالع من الحمّام.
الشنطة كانت مفتوحة،
وأنا كنت ماسكاها بإيدي…
بس حسّيت كأنّي ماسكة “قلب” الشقة نفسها.
كل اللي كنت بخاف منه…
لقيته جوّا الشنطة.
صور ليا وأنا نايمة…
من زوايا أنا عمري ما شفت الكاميرا تتفتح فيها.
تسجيلات بصوتي…
صوتي مرعوب وبعيّط…
وصفحة فيها “كود” لتطبيق تسجيل مكالمات…
متسطّر عليه باسم واحد:
"حسن" – زوج أمي.
أنا ساعتها ما كنتش بسمع…
كنت بسمع نبضي وهو بيخبط في وداني.
رجعت راسي لورا…
وبصيت للباب اللي طلع منه ريحة البرفان.
الباب بيتحرّك…
حركة صغيرة…
كأن حد لسه واقف وراه
وبيخاف يتنفس.
قولت بصوت واطي…
حقيقي واطي…
زي الطفل اللي بيحاول يثبت إنّه شجاع:
– “مين هنا…؟”
ماحدّش رد.
بس
حدّ ضحك.
ضحكة قصيرة… مخنوقة… مش ضحكته…
ضحكتي أنا.
اتجمّدت.
ماقدّرتش أتنقّل.
لكن رفضت أهرب.
رفضت.
الموبايل وقع من إيديا.
ولما وقع…
فتح على آخر فيديو متسجّل.
فيديو…
متصوّر من فوق.
من السرداب.
والكاميرا كانت واقفة هناك.
الفيديو بيورّي:
أنا نايمة…
ومكان ضلمة قدّامي…
وبعدين فجأة…
شخص بيزحف من السرداب…
شخص كامل…
راجل…
بيسحب جسمه
بإيد واحدة
وبقية جسمه بتجرّ وراه.
أنا…
صرخت.
قربت الفيديو…
وبعيني شُفت:
الحذاء اللي لابسه…
هو نفس الحذاء اللي كان بيحبّه حسن، زوج أمي.
نفس اللون.
نفس الشكل.
نفس الخربشة اللي على الجنب.
رجلي اتجمّدت.
إيدي بردت.
سماعة دقات قلبي في وداني
طب لو هو…
هو كان فين؟
عايش ازاي؟
بيدخل ازاي؟
يومين؟
3؟
أسبوع؟
أكتر.
خرجت على الصالة وأنا مش عارفة لازم أصرخ ولا أجري.
وبدأت أراجع حاجات من ذاكرتي…
ملامح…
حاجات صغيرة…
اللي عمرنا ما نلحظها إلا لما السر يبان.
السرداب واسع زيادة شوية
كرتونة مفتوحة من فوق
القماشة بتاعة ماما
هدومي اللي اختفت كذا يوم وظهرت تاني
النسخة من مفتاح الشقة
الكرسي اللي كان بيتحرك
ورق عليه "صيدلية" (الشغل القديم بتاعه)
وبصمة صباع على الدولاب…
مش بتاعتي.
كنت واقفة…
وأنفاسي بتجري…
لما سمعت الصوت
الصوت اللي أنهى اللعبة كلها:
كنت لازم تخافي.
كنت لازم تصدقي إن دماغك راحت وجالك انفصام.”
الصوت جه…
من فوق.
من السرداب.
قربت…
وقربت…
والنور ضعيف…
ولما لمست طرف الفتحة…
إيده نزلت.
إيده نزلت من جوّا.
إيد راجل.
سمارته…
شكلها…
نفس شكل إيده.
الخوف اللي كان في قلبي
اتحوّل لغضب.
صرخت وأنا بسحب إيده برعب ودموع:
– “قتلت ماما؟!؟
ليه؟!!! ليه بتعمل فيّ كده؟!!”
ولما حاول يشد إيده،
وقع حاجة منه…
وقعت على الأرض.
مذكّرة…
دفتر…
صفحة مكتوب فيها:
> “التقرير النهائي:
الميراث ينتقل للابنة فقط…
ما لم يثبت وجود اضطراب نفسي.”
وآخر جملة بخطه:
> “اخلصّ منها … زي ما خلصت من أمها.”
أول ما وقعت الورقة من إيده…
حسّيت إن الدنيا كلها بتسكت.
ولا صوت… ولا حركة…
بس قلبي هو اللي بيصرخ.
هو فهم إني شوفت الحقيقة.
فهم إني ربطت كل حاجة.
فهم إن لعبته انتهت.
ووقتها…
ردّ فعله ما كانش هروب.
كان هجوم.
نزل من السرداب بسرعة
ما كنتش أتخيل إن جسم راجل ممكن يعملها.
وقع على الأرض
وبعدها على طول
هجم عليّا كأنه وحش…
مش بني آدم.
مسك شعري من ورا
وضرب راسي في الأرض مرة…
واتنين…
وأنا بصرخ
وبحاول أضغط على دماغي بإيديا
عشان ما أفقدش الوعي.
كنت سامعة نفسي بقول:
“مش هموت زَي ماما…
مش هموت زَي ماما…”
هو كان بيزعق بصوت مخيف:
“كان المفروض تموتي من زمان!
أبوك ساب كل حاجة ليكي!
مخك اللي هيخلص الموضوع!”
حاول يكمّم بُقّي…
بس وأنا بتلخبط بين دموعي ونفَسي
مدّيت إيدي على أول حاجة جنبي…
كوب زجاج.
كسّرته في وشه.
صرخ…
ورجع لورا…
وهي اللحظة اللي نجّيت فيها.
جريت على الباب
وفتحت الشقة
وأنا بعيّط
وبصرخ:
“الحقوني!!! حدّ بيموّتني!!!”
الجيران فتحوا أبوابهم…
وصوتي كان بيقع في السلم
لحد ما تقريبا العمارة كلها نزلت.
هو طلع ورايا
ولما شاف الناس
حاول يهرب…
بس 3 رجالة مسكوه
وقعوه على الأرض
وقيّدوه
وهو بيشتم
وبيصرخ
وبيسأل:
“عرفتِ منين؟! عرفتي إزاي؟!!”
وآخر جملة قالها…
كانت بصوت مخيف…
وحقد…
وحاجة مش طبيعية:
“زي أمّك…
برضه هتموتي.”
بعدها…
الشرطة جات.
خدوه.
فتّشوا الشقة.
لقوا:
مكان كان مستخبيه جوّا السرداب
أكياس أكل فاضية
هدوم مسروقة منك
أدوات فتح أقفال
الموبايل القديم بتاع ماما
بصوتها…
وبآخر مكالمة ليها
قبل ما تموت.
المفاجأة؟
تقرير الطبّ الشرعي اتفتح من جديد…
واتثبت إن “زوج أمك”
كان آخر واحد شافها حيّة
وإن الوفاة مش كانت طبيعية.
هو اتحبس.
السجن مدى الحياة.
وانتِ؟
أخدتي حقك.
حق أمّك.
وحق نفسك.
بس…
أكتر حاجة فضلت فيكي
مش الدم
ولا bruises
ولا الرعب.
اللي فضل فيكي
هي الحقيقة.
🩸 الخلاصة (العبرة)
لما الخوف يغلبنا…
ممكن يعمّينا.
يخلّينا نشوف أشباح
ونفتكر إننا بنفقد عقلنا…
لكن الحقيقة ساعات
بتكون أبسط…
وأقسى.
أوقات…
أقرب الناس لينا
هو نفس الشخص اللي بيكسرنا.
وأصعب كائن ممكن يخوّفك…
مش اللي بيستخبى في الضلمة…
لكن اللي بيستخبى جوا “ثقتك”.





تعليقات
إرسال تعليق