رحلة موت
أنا اسمي محمد…
مهندس… متجوز… وعندي ولدين.
بشتغل وظيفتين عشان اكفي بيتي…
شغل الصبح
وشغل بالليل .
وبرغم دا كله…
ماكنتش قادر أكفي احتيجات بيتي لآخر الشهر.
كنت باشوف ولادي نايمين… وأقول:
“هو أنا عاجز للدرجة دي؟
ولا الحياة هي اللي بتكسر فيّ يوم عن يوم؟”
الحقيقة…
أنا ماكنتش محتاج فلوس بس،
أنا كنت محتاج راحة…
نَفَس…
لحظة واحدة بس أحس فيها إن الحمل خف عن ضهري
الضغط بيكسر البني آدم من جواه…
لما نفسك تتعب،
ويومك يبقى أضيق من صدرك،
وعينك متعرفش تشوف غير طريق واحد…
ساعتها بتفقد توازنك…
وتاخد قرارات
لو كنت هادي…
ما كنتش حتى هتفكر فيها.
وهنا…
بدأت فكرة السفر.
واحد يقول فلان سافر وربنا كرمه…
التاني يقول كلمه …
والتالت يقول “جَرِّب”…
لحد ما لقيت نفسي ببيع البيت…
والعفش…
ومراتي بتبيع دهبها…
ونحط كل اللي معانا في شنطة صغيرة اسمها “أمل”.
يوم السفر…
روّحت لأمي.
ست عندها خمسة وسبعين سنة…
حضنتني حضن
قسَما بالله حسّيت إن إيديها بتضغط علي ضلوعي
كأنها عاوزه تدخلني جوا صدرها ومسافرش
وتمنعني أمشي.
كان في حضنها خوف…
أو يمكن “حدس”…
الأمهات عمرهم ما بيغلطوا في الإحساس دا.
وصلنا المينا
ومن هناك ركبنا
قارب صغير…
بحر كبير…
وقلوب مليانة رجاء.
مراتي حطّت رأسها على كتفي ونامت.
ولما صحيت،
بصّت للبحر وقالت:
“أنا حلمت…
إني أنا والولاد واقفين في أرض خضرا…
جميلة قوي…
بس… إنت ماكنتش معانا.”
أنا ضحكت…
بس الضحكة كان وراها وجع مش فاهمه.
فجأه الموتور وقف وقائد المركب بلغنا انه مفيش امل يشتغل تاني
المية سكتت…
وإحنا سكتنا.
الخوف كان هو الصوت الوحيد بين الكل.
جه خفر السواحل اليوناني.
صرخوا فينا…
ربطوا القارب بتاعنا…
خدونا فوق السفينة.
أخدوا شنطنا…
وموبايلاتنا…
ما أدّوناش حتى ميّة.
ولا كلمة تطمين.
ولا حتى بصّة فيها رحمة.
بعد ساعات…
قالولنا ننزل في القارب تاني.
إحنا كنا آخر ناس.
ولما نزلنا…
دارت السفينة بعنف ولفت من جنبنا
ولفّتها جابت موجة عالية
قلبت القارب
زي ورقة في ريح.
الكل بيصرخ واللي بيدورعلي خشبه واللي ماسك برميل مفيش حوالينا غير صوت الموت .
كنت ماسك ولادي بكل قوتي…
أظافري بتغرز في جسمهم من الخوف.
وكنت فاكر إن قوتي هتحميهم…
بس البحر كان أقوى مني.
مراتي بصّتلي…
نظرة مش هتروح من قلبي.
نظرة فيها سؤال…
ودعوة…
وخوف أم عايزة تطمّن ولادها.
قلت لها وأنا بأتنفّس بصعوبة:
"سامحيني."
قالت:
"أنت أعظم أب…
بس… امسك في الولاد…
بالله عليك."
البحر هاج والهواء شديد
الموج بيخبط فينا…
والليل طويل معتِم…
والصرخات حوالينا
في كل مكان..
وبعدين الاصوات بدات تهدا والتعب اتمكن من اجساد كل اللي حوالينا سقعة المايه سكاكين في جسمنا شويه وبقت الجثث حوالينا من كل مكان
عاصفه شديده ضربت وموجة قوية…
خدت مراتي مني
اختفت.
صرخت…
بوهن قلبت البحر حواليا مش لقيها…
فضلت اصرخ باسمها بس صوتي كان أضعف من المية.
موجة بعدها موجه …
خدت ابني الأول من بين ايدايا.
اختفى قدّامي
قدام عنايا وانا بموت من جوايا قلبي خلاص اتفطر مراتي وابني بصرخ بنده عليهم مش قادر اعمل حاجه
فضلت ماسك ابني التاني
لحد ما حسيت جسمه اثقل…
أتقل…
وبعدين سكن.
لا نَفَس…
ولا نفس.
أنا ساعتها ماكنتش عايش…
أنا كنت مجرد “جسم بدون روح” طايف فوق المية
لمّحت مركب من بعيد.
سبحت…
بس مش عشاني
لأ،
سبحت بالأمل اللي كان بيصرّخ إن لازم أنقذ ابني آخر حتة من قلبي.
طلعت المركب
ورميت ابني قدّامي
وحاولت أنقذه
فضلت انعشه…
لكن خلاص.
كان سبقني لرب كريم.
صرخت…
بكيت…
دعيت…
بس ولا حاجة رجّعت اللي راح.
واحد كان واقف جنبي،
ربّت على كتفي
وقال بصوت هادي:
"هما دلوقتي عند اللي أرحم من الدنيا كلها."
بصّيت له وأنا مش شايف غير سواد…
وقُلتله وأنا صوتي بيتهز:
"أنا السبب…
أنا اللي جبتهم هنا…
جبتهم للموت بإيديا."
أنا ماكنتش محتاج فلوس…
أنا كنت محتاج أتنفّس.
كنت محتاج يوم أصحى فيه
من غير ما أعد الديون
ومن غير ما أخاف من بكرة
ومن غير ما أعمل نفسي قوي
علشان ولادي يعيشوا حياه احسن
أنا…
كنت حاسس إن الحياة بتزقّني لورا كل يوم…
وإني لازم أعمل أي حاجة
أي حاجة…
عشان أطلعهم من دوّامة الفقر.
بس اللي حصل…
إني أخدتهم من الموت البطيء
للموت السريع.
إيديا اللي كانت بتحضنهم…
هي نفسها اللي سلّمتهم للبحر.
أنا ماكنتش هربان من البلد…
أنا كنت هربان من نفسي.
هربان من الضغط،
من الخوف،
من الإحساس إني أب مش قادر يوفّر،
ولا حتى يحمي.
ودلوقتي…
بعد ما البحر سرقهم مني،
عرفت إن أثقل حاجة في الدنيا
هي قلب أب فَقَد كل اللي كان بيعيش عشانه.

تعليقات
إرسال تعليق