جحود الابناء
بعد ما أبوهم مات، الدنيا وقعت فوق دماغي.
كنت بشتغل، وأرجع أطبخ، وأنضف، وأذاكر، وأنام وإيدي على قلبي.
ما اشتكيتش.
ولا مرة حسّستهم إنهم تقيلين.
كبروا.
اتجوزوا.
وكل واحد راح في حاله.
فضلت لوحدي في الشقة اللي اتربوا فيها.
الشقة اللي كانت دايمًا مليانة صوت.
بقت هادية قوي.
في الأول كانوا بيعدّوا.
مرة في الأسبوع.
بعدها مرة في الشهر.
بعدها… مكالمة.
لحد ما في يوم ابني الأوسط قال لي: –
ماما، إحنا قلقانين عليكي، إنتِ لوحدك.
قلت: – الحمد لله، أنا كويسة.
قال: – طب ما تيجي تقعدي عندنا شوية؟
فرحت.
افتكرت إنهم محتاجيني.
روحت.
بس من أول أسبوع حسّيت إني مش في بيتي.
مرات ابني كانت بتحطلي الأكل لوحدي.
تقول: – ماما بتاكل بدري.
كانت تقفل التليفزيون لما أدخل.
وتخفض صوتها لما أتكلم.
وفي مرة سمعتها بتقول له في المطبخ: –
وجودها مقيّدنا انا تعبت اتصرف.
فضلت ساكتة.
بعد شهر، جمعتهم.
قلت: – أنا هارجع بيتي.
قالوا بسرعة: –
بيتك! ده قديم ومش آمن.
– وإنتِ كده كده لوحدك. – وإحنا ممكن نأجره او نبيعه ونصرف عليكِ.
قالوا الكلام كأنه معروف، ومتفق عليه.
قلت: – يعني إيه نأجره؟
قال الكبير: – يعني نبيعه أو نأجره ونحطك في مكان يناسب سنك.
مكان.
مش بيت.
دخلت أوضتي وقفلت الباب.
قعدت على السرير.
افتكرت سنيين سهر وتربيه سنيين المنافسين احرم نفسي من اللقمه عشانهم كل مرة كنت أقول:
"ولادي ضهري سندي في الدنيا".
ضحكت.
ضحكة خفيفة.
لأني كنت عاملة حساب اليوم ده.
من سنتين، لما حسّيت إن وجودي بقى تقيل،
روحت الشهر العقاري.
وحوّلت الشقة باسمي وبوصية واضحة.
وفي نفس اليوم…
عملت حاجة تانية.
كان لازم ابقي جامده زي قلوبهم
تاني يوم، قلت لهم: – تمام، خلّصوا الورق.
فرحوا.
بعد أسبوع، وإحنا قاعدين، الباب خبط.
دخلت ست وراجل.
الراجل قال: – إحنا من الجمعية.
ابني قال: – جمعية إيه؟
قلت بهدوء: – جمعية خيرية لرعاية الأمهات الكبار اللي ولادهم مش فاضيين لهم.
الوشوش اتغيرت.
كملت: – الشقة بتاعتي اتبرعت بيها للجمعية. – وأنا اللي طلبت أعيش فيها كدار إقامة. – بإدارتي. – وبمزاجي.
مرات ابني قالت: – إنتِ عملتي إيه؟!
بصّيت لها وقلت: – رجعت صاحبة نفسي.
قمت.
لبست طرحة خفيفة.
ومشيت روحت الشقة.
رجعت بيتي.
بس مش لوحدي.
بقيت وسط ستات شبهي.
حد يسمعني واسمعهم.
حد ما يحسسنيش إني زيادة او عاله عليه.
أما ولادي…
فضلوا ييجوا يقفوا تحت البيت.
يبصوا.
ويمشوا.
وأنا من فوق،
كنت بشرب شايي،
وأقول لنفسي:
> ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾
سورة الإسراء – آية 23
مش الإحسان إنك تدي الأم مكان تعيش فيه وخلاص،
الإحسان إنك ما تحسّسهاش إنها زيادة،
ولا ضيفة،
ولا عبء اتقل مع الزمن.
الأم اللي ضحّت بكل حاجة…
أقل حقها تعيش مكرّمة.

تعليقات
إرسال تعليق