السقوط في الهاويه



 بقلم /ولاء حمدي 


​"دخلتُ غرفة التحقيق وأنا أظن أنني غسلتُ شرفي بالدم، كنتُ أنظر لضابط المباحث ببرودٍ لا يليق إلا بقاتلٍ واثق.. لكن حين وضع الضابط (الظرف الأصفر) أمام عيني وفتحه، تمنيتُ لو أن الأرض انشقت وابتلعتني قبل أن أقرأ السطر الأول.. سأحكي لكم كيف تحول (يقيني) إلى حبل مشنقة يلتف حول روحي قبل عنقي.."

كان الضابط ينظر إليّ بنظرة لم أفهمها في البداية؛ لم تكن نظرة كره لقاتل، بل كانت نظرة شفقة لرجل أضاع جنته بيده. وضع الظرف الأصفر أمامي، وقال بصوت خافت: "هذا ما وجدناه في يدها اليمنى.. كانت تقبض عليه بقوة وكأنها تحمي كنزاً."

​فتحتُ الظرف بيدي المرتجفة. كان هناك تقرير طبي، وصورة أشعة، ورسالة مكتوبة بخط يدها الرقيق الذي أعرفه جيداً.

​قرأتُ الرسالة، وشعرت برصاصة تخترق قلبي:

"خالد.. حبيبي.. أعرف أنني كنت أتغيب كثيراً، وأعرف أن سرّيتي قتلتك غيرةً.. لكنني كنتُ أخفي عنك مرض أخي الصغير، لم أرد أن أثقلك بآلام عائلتي وأنت تكافح من أجلنا.. هذا التقرير يؤكد تطابق أنسجتي معه.. اليوم سأوقع أوراق التبرع، وسيكون هذا سري الصغير حتى يشفى، لأفاجئك بأننا أنقذنا روحاً."

​سقطت الورقة من يدي.. تلك المرأة التي ظننتها "خائنة"، كانت في اللحظة التي طعنتها فيها، تحمل في قلبها حباً يسع العالم، وفي جسدها استعداداً لتمزيق نفسها من أجل الآخرين.

كل ليلة، أسمع صدى صوتها في أركان الغرفة.. وأرى مشهد العرس الذي لن يحدث، وأخيها الذي سيشفى بجسد مثقوب بالحزن على أخته التي قتلها "سندها".

​ولكن.. هناك سرّ آخر أخفاه الضابط عني في البداية، سرّ لم يظهره إلا في جلسة النطق بالحكم.. سرّ جعل القاضي يلقي بالمنصة من هول الصدمة، وجعلني أدرك أن جريمتي لم تكن قتل شخص واحد فقط..

​​"وقفتُ في قفص الاتهام، أنتظر كلمة 'إعدام' كأنها طوق نجاة يريحني من عذابي. لكن القاضي قبل أن ينطق بالحكم، طلب من الطبيب الشرعي تلاوة الجزء المخفي من التقرير.. الجزء الذي لم يجرؤ الضابط على قوله لي في البداية.

​وقف الطبيب وبصوتٍ يرتجف قال: 'أثناء التشريح، تبين أن المجني عليها لم تكن تحمل في جسدها أوراق التبرع لأخيها فقط.. بل كانت تحمل في أحشائها جنيناً في شهره الثاني'.

​في تلك اللحظة، ساد صمتٌ قاتل في القاعة.. شعرتُ أن السقف يهوي فوق رأسي. لم أقتلها هي فقط، ولم أقتل براءتها، بل قتلتُ طفلي الذي كانت تنوي أن تخبرني به في تلك الليلة.. كانت تريد أن تجعلها ليلة 'البدايات الجديدة'، فجعلتها أنا ليلة 'النهايات السوداء'.

​نظرتُ إلى يديّ، فلم أرَ دماً.. رأيتُ مستقبلاً كاملاً ذبحته بسكين الشك. والآن، أنا لا أطلب الرحمة من القاضي، بل أطلب من الله أن يطيل في عمري داخل هذه الزنزانة.. ليكون كل نَفَس أتنفسه هو طعنة جديدة في قلبي، جزاءً لما اقترفت يداي."


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الحجر الاسود

الوفاء بالعهد

السيره النبويه العطره 46