السيره النبويه العطره 1️⃣1️⃣



 كان تعب النبي ﷺ وجراحه من أذى قريش واخداه من كل ناحية؛ صحابة بيتعذبوا وبيُهانوا، وقلوبهم تعبت من شدة الظلم. وفي يوم من الأيام، دخل النبي ﷺ الحرم، فوجد نفس الوجوه اللي بتستهزأ وبتشتم وبتتأمّر على تعذيب أصحابه قاعدين حوالين الكعبة.


بدأ يطوف.

في الشوط الأول، ما إن تحرك حتى انفجروا ضحكًا وسخرية، إشارات ولمز، وعيون مليانة استهزاء. النبي ﷺ يبص لهم نظرة ثابتة ويكمّل طوافه، لا يرد إساءة، ولا يغيّر طريقه.


الشوط الثاني… نفس المشهد. كلمات جارحة، وضحك عالي، وحركات مستفزة. وصحابته أصلاً قلوبهم مكسورة من اللي بيحصل فيهم، وفي منهم اللي وصل به الألم إنه نطق بكلمة الكفر مكرهًا من شدة العذاب. النبي ﷺ كان محتاج في اللحظة دي يثبتهم، يوريهم إنه مش ضعيف، وإن الحق مش مهزوم.


فلما دخل في الشوط الثالث، وقف، وواجههم بوجه هادئ، وصوت واصل للقلب قبل الأذن، وقال:

«يا معشر قريش، والله لَئِن لم تنتهوا، لقد جئتكم بالذبح.»


الكلمة دي اتاخدت بعد كده من ناس ما قرأتش السيرة كويس، ولا حطّت الموقف في سياقه. قالوا: شوفوا! النبي بيهدد بالقتل والذبح، إذن الإسلام دين عنف وسيف!

بس الحقيقة إن النبي ﷺ كان بيكلم مجموعة محددة من أعتى المؤذين، مش أهل مكة كلهم، وبيهددهم تهديد ردع: "اتركونا وشأننا، واتركوا أصحابي."

زي لما تقول لواحد بيتمادى في الأذى: "لو ما بطّلتش، أنا هأقطعك"، وانت مش ماسك سلاح ولا ناوي فعلاً تقتله؛ تعبير مجازي عن الغضب وحدّة الموقف، مش برنامج عمل دموي.


واللي يعرف باقي سيرة النبي ﷺ، يستحيل يصدق إنه رسول ذبح أو قسوة. شوف مثلًا تعاملُه مع واحد زي عبد الله بن أُبيّ بن سلول…

ده واحد من أشد الناس أذى للنبي ﷺ، آذاه في أهل بيته، وفي شرفه، وكان رأس النفاق في المدينة. هو صاحب حادثة الإفك اللي اتهمت فيها السيدة عائشة رضي الله عنها زورًا. ومع ذلك، لما الصحابة كانوا يقولوا للنبي ﷺ:

"يا رسول الله، مُرنا نقطع عنق عبد الله بن أُبيّ"،

كان يرد بهدوء:

«لا تفعلوا، عسى الله أن يشرح صدره للإسلام.»

النبي ﷺ لسه عنده أمل في هداية واحد آذاه في عرضه وأهله!


ولما حضرته الوفاة، طلب إن النبي ﷺ يجيه.

الرسول ﷺ يروح له، مع إنه كان ممكن يرفض، ومع ذلك يدخل عليه، فيقول له عبد الله بن أُبيّ:

"يا محمد، أَمْنُنْ عليَّ اليوم بثوبك، فكفني فيه، واغسلني، وصلِّ عليَّ."

فيقول له النبي ﷺ:

"لك ما طلبت."


يموت الرجل…

والنبي ﷺ يغسله بيديه، ويخلع قميصه ويكفّنه فيه، ويقوم ليصلي عليه.

يقف عمر رضي الله عنه متعجبًا، يقول:

"يا رسول الله، أتصلي على هذا المنافق؟"

فيقول له النبي ﷺ:

"دعني يا عمر."

وعمر يعدد للنبي ﷺ إساءاته، والنبي ﷺ يعيد: "دعني يا عمر."

ثم يقول: إن الله قال:

{اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ، إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ}

وهو ﷺ يقول: "وسأزيد على السبعين لعل الله يغفر له."

فيصلي عليه، ويستغفر له، حتى ينزل بعد ذلك النهي:

{وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ…}


ده نبي يُتَّهم دِينه بأنه "دين ذبح"؟!


وانظري لرحمته ﷺ حتى مع الحيوان.

مرة شاف رجل ماسك شاة من رجلها يجرّها، وفي اليد التانية السكين، فالشاة شايفة السكينة، وترتجف.

النبي ﷺ ينفعل، ويقول له:

«أَتُرِيدُ أنْ تُمِيتَهَا مَوْتَتَيْن؟! هَلاَّ حَدَّدْتَ شَفْرَتَهَا قبل أنْ تَذْبَحَهَا؟»

وفي حديث آخر يعاتبهم:

«أمَا يتقي أحدكم ربَّه في شاته؟»

لو دي رحمته بشاة… فكيف ببشر، حتى لو كانوا خصوم؟


وكمان رحمته في الحروب، مش رحمة نظريّة؛ كانت أوامر عسكرية واضحة:

كان يوصي الجيوش:

"لا تقتلوا شيخًا كبيرًا، ولا امرأة، ولا طفلًا، ولا مريضًا، ولا تقطعوا شجرًا، ولا تهدموا بيتًا، ولا تحرقوا زرعًا، ولا تقطعوا نخلاً، ولا تحرقوا زهرة.

وستجدون رجالًا في الصوامع تفرغوا للعبادة، فدعوهم وما هم فيه،

ولا تَهْجموا على الجيش ليلًا حتى لا تُفزعوا النساء والأطفال."


نبي هذه رحمته، يستحيل نفهم كلمته «لقد جئتكم بالذبح» على إنها منهج دموي؛ هي كلمة خرجت في لحظة دفاع عن المظلومين، بعد سنوات من الأذى والقهر، ومع ذلك لم تتحول لمجزرة، ولا نفّذ فيهم وعيدًا، بل مرَّت الأيام، وكثير من هؤلاء دخلوا في الإسلام، وبعضهم وقف معه يوم الفتح خاضعًا لرحمته.


نرجع تاني لآلام الصحابة…


مصعب بن عمير:

شاب وسيم، غني، مدلل، ثيابه وعطوره من الشام، رمز الرفاهية في مكة. لما أسلم، أمه هددته:

"إن لم ترجع عن دين محمد، حرمتك من المال والميراث."

فقال لها:

"خذي ما شئتِ."

حبسته، وقطعته عن الأكل والشرب، لحد ما جسده ضعف، وجلده اتجرّح وبقى خشن كجلد الحية من شدة الحرمان.

وبعد كل ده، يكون هو حامل راية الإسلام في المدينة، وأول سفير للدعوة هناك، ثم يستشهد يوم أُحد وهو بيدافع عن النبي ﷺ، وما يلاقوش كفن يكفي جسده.


وصهيب الرومي:

غريب عن مكة، جاي من بلاد الروم، شعره طويل، وله لكنة غير عربية، لكن قلبه امتلأ بالإيمان.

قريش كانت تمسكه من شعره، وتغمس رأسه في ماء يغلي من شدّة السخونة، يفضلوا يغرقوا رأسه ويطلعوه على وشك الاختناق، مرة بعد مرة، وكل هدفهم: "ارجع عن دين محمد." وهو ثابت.


وسعد بن أبي وقاص، واحد من العشرة المبشرين بالجنة:

لما أسلم، أمه قالت له: "والله لا آكل ولا أشرب حتى ترجع عن دين محمد، حتى أموت، ويُقال: يا قاتل أمك."

تهديد عاطفي قاسي…

لكن سعد رد بثبات:

"والله يا أمي، لو كانت لك مائة نفس، تخرج نفسًا نفسًا، ما تركت دين محمد، فإن شئتِ فكلي، وإن شئتِ فلا تأكلي."

فنزلت الآية:

{وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا، وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا…}

القرآن يأمره بصحبة أمه بالمعروف، رغم كفرها وأذاها، لكنه لا يطيعهما في الشرك. شوف قد إيه مكانة الأم، حتى لو مش على الحق، فكيف لو كانت مؤمنة؟


وعبد الله بن مسعود:

كان نحيف الجسد، ضعيف البنية، لكن قلبه جبل.

حفظ سورة جديدة، فاشتعل شوقًا إنه يجهر بالقرآن قدام الكفار.

قال: "لأجهرنَّ بالقرآن بينهم."

طلع على الصفا، ورفع صوته:

{الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ}

قريش اتجننت: مين اللي منَّا يتجرأ يعمل كده؟

هجمت عليه، ضربوه ضربًا شديدًا حتى سال الدم من وجهه، وحُمِل إلى بيته شبه مغشيٍّ عليه.

ولما فاق، كانت أول كلمة: "والله لأعودنَّ غدًا."

ورجع تاني يوم يقرأ نفس السورة، ويتضرب تاني، ويقول بعدها: "لقد هانوا عليّ."

إلى أن جاءه النبي ﷺ وقال له:

"يا ابن مسعود، كفاك، فقد أسمعتهم ما يكفي."


أما أم جميل، زوجة أبي لهب، فقررت تحارب النبي ﷺ بأسرتها:

أجبرت ابنيها، عتبة وعتيبة، إنهم يطلّقوا بنتي النبي ﷺ: رقيّة وأم كلثوم.

قطع رحم، ووجع في بيت النبي ﷺ، فوق أوجاع الدعوة.


وأبو جهل، رأس الكِبر في مكة، وقف مرة وقال متحديًا:

"والله إن لم ينته محمد عن الصلاة عند الكعبة، لأطأنَّ على رقبته."

انتظر حتى سجد النبي ﷺ، وتقدّم ليضربه برجله،

لكن فجأة تراجع يصرخ، ووقع على ظهره، ووشه متغير.

سألوه: "ما بك؟"

قال: "رأيت بيني وبينه خندقًا من نار، وهولًا عظيمًا، وخفت إن اقتربت أن أسقط فيه."

ربنا حاميه، ولو ما فيش حوله بشر.


وفي وسط كل ده، كان أبو بكر الصديق أرحم الأمة بالأمة، زي ما وصفه النبي ﷺ.

تاجر كبير، عنده سبع متاجر في مكة، لكنه صرف ماله في شراء العبيد الذين أسلموا وتعذَّبوا، ليحررهم لوجه الله:

اشترى بلال، وعمار، وزنيرة، وخباب، وجارية عمر… وغيرهم.


أبوه، أبو قحافة، كان لسه كافر، فقال له:

"يا بني، أراك تشتري رجالًا ضعفاء، لو أردت أن تشتري فاشترِ أقوياء يحموك من قريش."

فقال أبو بكر بهدوء:

"يا أبتِ، إنما أبتغي بذنِك وجه الله."

فنزل قول الله:

{وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى}


قريش ما كانتش بترحم لا كبير ولا صغير، أذى جسدي ونفسي، سخرية وشائعات، وحصار اجتماعي. وبرغم كده، الإسلام كان بينتشر، والقلوب بتلين، والناس بتدخل في دين الله أفواجًا.


لكن دلوقتي في مشكلة جديدة:

موسم الحج الجاهلي قرب.

قريش خايفة إن القبائل اللي هتيجي من كل مكان تسمع القرآن من رسول الله ﷺ، يعجبهم كلامه، يتحالفوا معاه، ويهددوا نفوذها وتجارتها وقيادتها للبيت الحرام.


لازم – في نظرهم – يعملوا خطة تشويه ضخمة تمنع أي حد يسمع للنبي ﷺ وهو يقرأ القرآن.

هيجتمعوا… ويتآمروا… ويختاروا لكل قبيلة كلمة جاهزة: ساحر، شاعر، كاهن، مجنون…

عشان يشوّهوا صورته قبل ما الناس تسمع صوته.


ودي حكاية تانية… تكمل سلسلة الصبر، والرحمة، والثبات على الطريق.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الحجر الاسود

الوفاء بالعهد

السيره النبويه العطره 46