«هو مات… بس لسه بيكلّمني»

 


 أنا عمري ما كنت أؤمن بالحاجات الغريبة… ولا عمري صدقت إن في رسائل بتيجي “من العالم الآخر”.

كنت دايمًا أقول:


«الفقد… فقد.


واللي بيروح… مش بيرجع.»


لحد الليلة اللي قلّبت حياتي.


أخويا “علي” مات من 7 سنين.


حادث مفاجئ… من غير وداع… من غير فرصة حتى أقول له إني زعلانة منه… أو إني بحبه.

ومن يومها وأنا كل ما أقف عند صورته أحس إن في كلمة محبوسة… مش قادرة تطلع.

المهم… ندخل في اللي حصل.


قبل 3 شهور، كنت راجعة من شغلي متأخرة.


تعبانة، ومخنوقة، ودماغي هتنفجر.


وصلت البيت، دفعت الباب برجلي، ورميت الشنطة، وقلت بصوت عالي:


«يا علي… إنت سبتني ليه؟»


ما كنتش متوقعة إني هسمع رد.


لكن اللي حصل… إن التلفزيون اشتغل لوحده.


القناة كانت مشوشة، بس كان في صوت…


صوت حد بيتنفس… حد قريب جدًا من الميكروفون.


وقبل ما أطفي الجهاز…


سمعت جملة خلت قلبي يقع:


«ما سيبتِكيش… إنتي اللي وقفتي تسمعيني.»


وقفت مكانى مش قادرة أتنفس.


الصوت يشبه علي… بس أهدى… وأبعد… وأغرب.


قربت من الشاشة، وقلبي بيدق جامد.


وقولت بخوف:


– «علي؟»


الصوت رد، لكن المرة دي كان أوضح:


«روحي عند شجرة الرمان.


الليلة… قبل ما ينتصف الليل.»


شجرة الرمان دي… كانت المكان اللي أنا وهو بنقعد فيه وإحنا صغيرين.


آخر مرة قعدنا فيها سوا… كنا بنتخانق.


ومن بعدها مات.


أنا مرعوبة… بس روحت.


وصلت قبل نص الليل بخمس دقايق.


الشارع فاضي، والهواء واقف… ومفيش صوت غير نفسي.


عند الشجرة…


لقيت ورقة متطبقة، مرمية على الأرض.


جبتها بإيدي اليمين—لأن اليسار حرفيًا كانت بترتعش.


فتحت الورقة.

وكان مكتوب فيها بخط شبه خطه:


> «سامحيني إني مشيت وإحنا زعلانين.


بس أنا ما مشيتش بعيد…


وإنتي عمرك ما كنتي لوحدِك.

آخر مرة هطلبها منك…


ارجعي تكتبي.

صوتك هو اللي بيرجعني.»

حسّيت بسخونة غريبة على كتفي.

زي إيد حد… بتحاول تطبطب.

اتلفت… مفيش.

رجعت بص على الورقة…


اختفت من إيدي.


بكيت—بس لأول مرة من 7 سنين،


حسّيت إن فيه حد كان بيسمعني.




وأنا بكتب القصة دي دلوقتي…


التلفزيون اللي ورايا… اشتغل لوحده تاني.


وبرنامج الأخبار بيتحوّل لموجة تشويش.


وصوت التنفس بيرجع.


انتظروا الجزء الثاني 




وأنا بكتب اللي حصل… كنت حاسة بضهري بيقشعر.

مش من خوف…

من الإحساس الغريب إن في حد فعلاً… واقف ورايا.


التلفزيون اللي ورايا اشتغل لوحده تاني…

نفس القناة المشوشة…

ونفس الصوت اللي سمعته في أول مرة.


نَفَس بطيء… تقيل…

كأنه حد واقف قريب جدًا من الميكروفون…

أو قريب مني أنا.


ما اتلفتش.

يمكن لو اتلفت… كنت هيفضل المشهد عالق في دماغي للأبد.


فضلت سكتة…

وبعدين قلت بصوت واطي:


– «عايز إيه؟»


الصوت اتغير… ما بقاش نفس النفس…

بقى أقرب…

وأوضح.


«اكتبي…

وما تخافيش.

لو وقفتي… هتسمعي حاجات أصعب.»


قلبي كان بيدق بطريقة ما عرفتش أفرق فيها بين الخوف… والشوق.

حسيت إني لو خرجت من الأوضة… يحصل لي نفس اللي حصل يوم الحادث.


فضلت قاعدة… وكتبت.

كتبت كل حاجة كنت مكتمة عليها سنين.


وفجأة…


الصوت سكت.

التشويش اختفى.

والتلفزيون اتفصل كأنه ما اشتغلش أصلًا.


قمت أتأكد من السلك…

لقيته مفصول.

يعني الجهاز أصلاً ما كانش بياخد كهرباء!


ساعتها وقفت في نص الأوضة، وقلبي اتنفض…

لإن فيه حاجة واحدة بس كانت واضحة:


مش كل اللي بيروح… بيرحل.

وفيه حد…

كان مستني إني أفتح له باب.


والموضوع ما خلصش هنا.


تاني يوم الصبح…

وأنا خارجة للشغل، لقيت على باب الشقة ظرف صغير.

نفس الخط اللي كان على الورقة اللي لقيتها تحت الشجرة.


فتحت الظرف.


كان فيه جملة واحدة:


> «الليلة… اسمعيني،

وأنا هسيب لك إشارة… إنّي موجود.»




وفعلًا…

في نص الليل…

سمعت صوت وقع خطوة واحدة…

ورا باب الأوضة.


خطوة…

متكررة كل يوم…


لحد دلوقتي.


من يوم الورقة… ومن يوم الخطوة الأولى اللي سمعتها عند باب الأوضة…

وأنا عايشة بين عالمين:

عالم الناس اللي شايفاني عادية،

وعالم تاني… ما حدّش يعرف عنه غيري أنا والهواء البارد اللي بيمرّ من جنبي كل ليلة.


كنت متوقعة إن الإشارات هتقف… إن الخطوات هتبطل…

إن علي — لو كان هو — هيطمن ويرحل.

لكن كل يوم كان بيعدّي…

كل حاجة حواليا كانت بتتغير شوية.


مرّة ألاقي الكرسي اتحرك سنتي.

صورة علي تقع وتقوم لوحدها.

الباب يتقفل بهدوء كأن حد جوّا مش عايز حد يزعجه.

ودايماً… دايماً… ريحة الدخان الخفيف اللي كان علي بيحبها تطفو في الأوضة قبل ما أنام.


الغريب إني ما كنتش خايفة…

كنت بس مستسلمة… يمكن علشان جزء مني كان مشتاق يسمع صوته حتى لو من “مطرح تاني”.


لحد الليلة اللي قررت فيها أوقف كل ده.

وقفت قدّام التلفزيون—نفس الجهاز اللي بدأ منه كل شيء—

ومديت إيدي وشغّلته.


القناة ظهرت…

مفيش تشويش.

مفيش صوت نفس.

مفيش حاجة غريبة.


قربت أكتر…

ولقت انعكاس وشي على الشاشة.


بس الانعكاس…

ما كانش بيتحرّك معايا.


أنا رمشت…

هو ما رمشش.

أنا اتنفست…

هو واقف.

أنا قربت…

وهو فضل ثابت، كأنه مستنّي اللحظة دي.


وبعدين…

ابتسم.


ابتسامة هادية…

ابتسامة علي لما كان يرضّيني وإحنا صغيرين…

بس أبرد… أعمق… وأبعد من أي ابتسامة بشرية.


ولما فتحت بقي أقول: «علي…؟»

سمعت صوته…

لكن مش من السماعات.

من ورايا.

قريب… قريب جدًا.


الصوت كان أوطى من الهمس، أبطأ من النفس، أهدى من القبر:


«ما تقلقيش…

أنا ما رجعتش.

إنتي اللي فتّحتي الباب…

وغيري هو اللي دخل.»


اتجمّدت.

حسيت بحاجة بتعدّي من ورا كتفي…

باردة، تقيلة، بتسحب نفسي معاها.


لما رجعت أبص للشاشة…

الانعكاس اختفى.

والتلفزيون بقى أسود كأنه مطفي من سنين.


ومن الليلة دي…

الخطوة اللي كانت واحدة بس…

بقت اتنين.

وبقت أقرب كل يوم.

وأوقات… بسمعها جوّا الأوضة مش براها.


والحقيقة اللي فهمتها متأخر هي:


مش كل اللي بيروح… بيرحل.

ومش كل اللي بيرجع… بيرجع بملامحه.

وأنا… لما فتّحت الباب بدافع الشوق…

سمحت بحاجة تانية تدخل.


وبدل ما علي يرجع…

رجعت "هي".

الحاجة اللي لبست صوته…

وعرفت طريقي.


وآخر مرة سمعت فيها الخطوة…

كانت ورا ودني مباشرة.


وأنا متأكدة…

إنها لسه هنا.


قريبة.

قريبة قوي.








تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الحجر الاسود

الوفاء بالعهد

السيره النبويه العطره 46