ام الشعور


أنا....... من محافظة المنوفيه، بنسمع ديمًا في بلدنا إلي أنا عايش فيها إن في حوادث كتير حصلت، إلي أتلبس
 والي بقى مجنون، والي فقد النطق، هقول بسبب أي.

زمان قالوا إن في ترعة كبير نوعًا ما في نفس بلدنا
،و إن في بنت لا تتعدا ٢١سنة تم قتلها وأخد أعضائها ورجعوا وراموها في الترعة دي، في الأول الأهل أفتكروها أتخطفت، ولكن بعد شهر من إختفائها.

جه طفل عمره ١١سنة وقال، أنه كان واقف فوق السطح، وبص لقي ناس بيرموا بنت في الترعة وقت ما بين الظُهر والعصر، عندنا في الأرياف في الوقت دا في الصيف بيبقى وقت نوم، بتبقى البيوت ساكتة وهاديه وكله نايم.

سألوه لي جيت تقولنا بعدها بشهر، اتضح إن الولد كان في حالة صدمة كبيرة من الموقف الي شافه، كانت البنت مفتوح بطنها،
وفي الأول كانوا هيسيبوها قدام بيتها ولكن قرروا رميها في الترعة.

نزل ناس كتير علشان يدوروا عليها ولكن دي ترعة مش بحر، كانت مليانة زبالة، لونها كان اسود مش شفاف زي ما بنشوف في الافلام، من بعد ما هما ملقيوش جثتها، وبدأت إشاعات تنتشر في البلد إن الترعة بقت مسكونة، 
واللي قالوا إن البنت روحاها مرقدتش في سلام.

كانوا بيحكوا إن في صوت أنثوي ناعم
بينده من وسط الميه بعد نص الليل:
«تعالى… أنا هنا انا بردانه ساعدني…»

اللي يسمع الصوت، يقوم غصب عنه.
ويقرب من الترعه.
يلاقي واحده بشعر طويل طالعه من الميه.
يمد إيده ليها …
وفجأه تسحبه ويختفي.

وتاني يوم…
يلاقوا الجثة طافية.
وشه مقلوب، عينه مفتوحة،
وشعره متشابك كأنه كان ماسك في حاجة بتحاول تشده لتحت.

النهاردا قررت اني إتمشى بليل علشان زهقان من البيت ومخنوق جدًا، ورجلي للأسف جابتني لهناك وأنا بكلم نفسي سرحت ولقيت نفسي قدام الترعة، وقفت أبص شوية ملقتش حاجة، قولت في سري:
_أومال مالها الناس خايفة ليه من الترعة، اهو مظهرتش أهي، لتكون هي الي خايفة مني.

فجأة أيد حسست على كتفي، افتكرتها تهيؤات في الأول ولكن الي خلاني أقتنع إنها حقيقي، إن الأيد دي غرزت أضافرها جو لحمي بطريقة فظيعة، بصيت ولما بصيت أتصدمت جامد من شكلها. 

اتلجلجت في الكلام، لما شُفت هيئتها، عيونها السودة، شعرها المتغرق بالطين، بطنها المفتوحة، وحاولت ارجع بخطواتي لورا
 ولكن هي كانت مسكاني جامد لدرجة إن ضوافرها غرزت في لحمي جامد، معرفتش ازعق أو أصوت حتى، بلعت ريقي و قُلت بكل خوف: 
_انتـ.. انتـ.ـي؟ 

ردت هي بإبتسامة مليانة شر: 
_كويس انك لسه فاكرني يا ابن القاتـ.ـل، لي مقولتش لأهلي وأهلك إن أبوك هو الي خطفني وعمل فيا كدا،لي خبيت عنهم. 

لسه مش مستوعب انها بتكلمني كدا، او ان في شبح بيتكلم
معايا، وقبل ما أرد قالتلي: 
_يمكن محدش عارف ان أبوك هو السبب في قتلي، ومكنتش أول ولا أخر ضحية. 

بصيت ليها بزهول وقولت: 
_يعني أي؟! 

_يعني أبوك قتـ. ـل قبلي كتير وخد دهبهم، فضل يتقرب من أبويا لحد ما بقة صاحب عمرة، علشان ياخد التار الي كان علينا زمان، ومحدش هيصدق انه هو ابوك، في يوم كنت خارجة أروح لعمتي، مهو بيتهم قريب مننا، سمعته بيتكلم مع حد،
جريت من الصدمة من الي سمعتوا،
للأسف ابوك جري ورايا ووقتاها كنت لابسة دهبي وحصل الي انت شفته. 

اتكلمت وهي بتبتسم ابتسامة مشبعة بالشر، قالت ببرود:

_يعني زي دلوقتي كده أهلك بيدوروا عليك ومش لاقينك، لأن ببساطة أبوك موتك ورماك في الترعة، لما أنت قررت إنك هتحكي لأهلك كل حاجة، مش عارفة ليه ضميرك أنبك بعد كل السنين دي ولكن اهو دفعت تمن سكوتك.

حسيت بحركة تقيلة في صدري، كأن قلبي توقف للحظة.
مكنتش مصدق، مش قادر أستوعب الكلام اللي طالع من الشبح قدامي. كنت عارف، بس كنت مغمض عيني عن الحقيقة. كنت حاسس إنه في حاجة غلط، بس مكنتش أتصور إنها تكون بالشكل ده.

البنت حست اني خايف ومتوتر، اكيد من واحد عارف أنه ميت ومكنش حاسس بموته، لاء والصدمة الأكبر هو إن ابوه الي قتله. 

_أبوك كان طماع. كان فاكر إن قتلنا ورمينا هنا هيخليه يقدر يعيش في أمان، بس هو غلطان. كل روح قُتِلت تترك أثراً... وأنت دلوقتي جزء من هذا الأثر مش هتقدر تتهرب من الحقيقة، يا حاتم.

كلامتها كانت أشبه باللعنة.
كان عندي شعور غريب، شعور إني مش هقدر أهرب من الحقيقة بعد النهاردة، مهما حاولت.
 الموضوع أكبر من مجرد خوف من الشبح اللي قدامي.
الحقيقة بدأت تطاردني، وتطارد كل ذكرى ليا مع أبويا فجأة، لقيت نفسي قدام نفسي، واقف في مكان بعيد عن الواقع،
مش قادر أرجع ولا أهرب.

وقفت قدامها وأنا مش قادر أتحرك… حاسس روحي اتسحبت من جسمي.
هي فضلت تبصلي بنظرة مليانة غضب…
 ومليانة وجع أكتر من إنها رعب.

قربت وشها مني وقالت بصوت واطي…
 كأنه طالع من قاع الترعة نفسها:

"أنا مستنياك من سنين… مستنية اليوم اللي تقف فيه قدامي ومتبقاش قادر تهرب."

أنا كنت مرعوب…
 ومرعوب أكتر من نفسي، من الحقيقة اللي عمري ما واجهتها.
كنت طول عمري حاسس إن في حاجة غلط في بيتنا…
 في أبويا…
بس عمري ما تخيلت إن الحقيقة بالشكل ده.

حسّيت الميّة عند رجلي بتعلى…
وبتبرد…
وبتشدني لجوه من غير ما حد يلمسني.

بصيتلها وأنا مش قادر أتكلم، وهي قالت آخر كلمة قبل ما تختفي:

"اللي بيسكت عن الحق… بيتحاسب زيه زي اللي عمل الشر."

وفجأة…
كل حاجة حواليا اتغيرت.

لقيت الدنيا ضلمة…
والترعة سكتت…
وكأن الوقت وقف.

بصيت على إيدي…
شفت أثر ضوافرها… الدم نازل منها.
بس اللي خوّفني بجد…
إني لما رفعت عيني أبص على الميّة…

شُفت جثتي.

نفس هدومي…
نفس شكلي…
نفس السلسلة اللي كنت لابسها يوم ما طلعت أجري علشان أحكيلهم.

وقتها بس…
استوعبت إنها ما كانتش بتهددني…
كانت بتقولي الحقيقة زي ما هي:

أنا فعلاً… ميت.
وميت من زمان.
وأنا اللي ماكنتش راضي اصدق.

سمعت صوتها من بعيد… صوت مخنوق…
بس واضح:

"روح مقبور… وحق ضايع…
والحكاية لسه مخلصتش."

ومن بعدها…
الناس في البلد بقت تشوف ضيّ في الميّة بالليل…
وتسمع صوت حد بيعيط عند الترعة…
مرّة بصوت بنت…
ومرّة بصوت ولد.

واللي يقرب من الميّة…
يسمع نفس الجملة تتقال له:

"احكي… قبل ما تبقى زيّهم."

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الحجر الاسود

الوفاء بالعهد

السيره النبويه العطره 46