الغرفه (7 )

 من 10 سنين… محدّش قدر ينام في الغرفة رقم 7 في جناح المرضى النفسيين.

مش علشان مسكونة…

ولا لأن فيها حد مات…

لكن لأن كل اللي دخلها خرج مش هو نفسه.



ممرضة اسمها ليلى كانت بتنضّف الغرفة، لاحظت إن كل المرضى اللي بيقعدوا فيها بيقولوا نفس الجملة… جملة ما اتفقوش عليها، وما حدش فيهم يعرف التاني:


"اللي في المراية… أكبر مني."


كانوا يقصدوا المراية الوحيدة في الغرفة، مراية قديمة، الإطار بتاعها متشقق، والسطح بتاعها باهت كأنه مش بيكشف ملامحك كاملة.


ليلى ما صدقتش الكلام…

لحد الليلة اللي اتقفلت عليها فيها الغرفة بالغلط.


طفت اللمبة فجأة.

الموبايل فصل.

وحست إن في نفس تقيل بيطلع من وراها.


لفّت بسرعة…

مفيش حد.


قلبها كان بيدق لدرجة إنها سامعاه في ودنها.

قربت للمراية… مجرد خطوة واحدة.

وشافت نفسها.

بس… مش نفسها.


المراية كانت بتعرض نسخة أكبر منها بزيادة ٢٠ سنة.

وجه شاحب… عينين غريبة… وابتسامة واسعة ما تنفعش تكون ابتسامة إنسان.


ليلى اتراجعت خطوة، وسمعت صوت النسخة اللي في المراية تهمس:


"حضرتك اتأخرتي… كنت مستنياكي."


إيد المراية اتفردت… آه، اتفردت فعلاً، كأن الزجاج بقى مائع…

والمراية سحبت نفس ليلى اللي في الحقيقة خطوة لجوا.


ليلى حاولت تجري…

بس رجليها ما اتحركتش.

حست إن حد ماسك كاحلها من تحت الأرض.


فجأة…

نور الغرفة اشتغل.

والممرضة التانية فتحت الباب.


ليلى كانت واقفة قدام المراية…

لكن جسمها ثابت، وعينيها مفتوحة زيادة.


ولما سألوها:

"مالك؟"


ردّت بصوت مش صوتها:


"أنا ليلى… الحقيقية."

وأشارت للمرايه. 

جوا المراية…

كانت فيه ليلى تانية، بتخبط على السطح بكل قوتها…

وعنيها مليانة رعب.

فتحت ليلى عينيها لكنها ما كانتش في الغرفة زي ما افتكرت… كانت شايفة كل شيء من ورا طبقة زجاج غامق، كأنها محبوسة جوا المراية نفسها. حاولت تتحرك لكن جسمها ما استجابش، رجليها ثابتة، نفسها ما بيسمعهوش، كل اللي كانت سامعاه صوت خربشة… خربشة جاية من عمق ضلمة مش واضحة. التفتت تشوف الصوت… لكن المكان من وراها كان أسود تمامًا، ضلمة مش ضلمة عادية، ضلمة حية… كأنها بتتنفّس. الخربشة قربت أكتر… وأكتر… لحد ما فهمت إنه مش صوت حيوان ولا صوت شيء… دي أظافر… أظافر بشرية بتجرف الزجاج من جوّا كأن في حد تاني محبوس معاها.


برا الغرفة، كانت “ليلى الثانية” ماشية في الممر بخطوات هادية تثير القلق. شكلها هو هو… لكن نظرتها مش نظرتها. الممرضة الجديدة لاحظت أول حاجة غريبة… ليلى مش بترمش. ولا مرة. وقفت قدامها وسألتها:


– "أنتي كويسة يا ليلى؟"


ليلى الثانية رجعت تبصّ عليها ببطء غير طبيعي، ببطء خلّى صوت فقرات رقبتها يتسمع بوضوح… ثم ابتسمت. ابتسامة بلا روح، ابتسامة باردة لدرجة تقشعر منها الجلد، وقالت بصوت هادي:


– "كويسة… جداً."


في مكتب المشرف الصحي، كان بيفرج على تسجيل الكاميرات للحظة اللي الممرضين لقوا فيها ليلى بعد وقعها في الغرفة 7. كان بيلف الفيديو ورا لقدام لحد ما اتجمّد على لقطة غريبة. في الانعكاس بتاع الزجاج، ظهر وش تاني. وش ليلى… بس مش نفس الوش. أكبر، أعمق، منهار… وعينيه بتحدّق في الكاميرا مباشرة كأنه شايف اللي بيشوف التسجيل. المشرف قرّب الصورة أكتر… وفجأة انعكاس ليلى “الثاني” بدأ يبتسم… رغم إن ليلى نفسها في الفيديو واقفة ثابتة.


جوا المراية، كانت ليلى بتحاول تصرخ… لكن صوتها مش بيطلع. الخربشة بقت أقوى، وبعدين خرج صوت غريب… صوت واطي، خشن، جاي من وراءها مباشرة:


"دورِك… جه."


قبل ما تقدر تستوعب، حست بإيد باردة… باردة لدرجة الألم… بتلمس كتفها. ما قدرتش تلف، وما كانتش محتاجة تلف عشان تعرف إن اللي وراها مش بني آدم.


في نفس اللحظة، ليلى الثانية كانت واقفة قدام باب الغرفة 7. حطت يدها على المقبض، الممر فاضي، الإضاءة بتقطع وتشتغل كأنها مصابة. وقبل ما تفتح الباب، همست بصوت مش صوتها… صوت غريب، مجوّف، كأنه خارج من صدر حد ميت من سنين:


"الخروج لسه… مِش كامل."


وفتحت الباب ببطء… والغرفة من جوّا كانت… بتتنفّس.


كانت الغرفة 7 ساكنة… سكون مُريب، سكون يخوّف أكتر من أي صوت. الإضاءة اللي في السقف فضلت ترعش كأنها بتموت، والهواء جوّا كان بارد لدرجة تشقق الجلد.


وقفت "ليلى الثانية" على العتبة… جسمها واقف، لكن ظلّها كان ماشي قدّامها بخطوة. حاجة مش منطقية… لكن الليلة دي من الأول ما كانتش منطقية.


دخلت خطوة، وكل ما تقرّب من النص، الجدران بدت تتحرك… تتحرك فعلًا، زي صدر بيتنفس. الريحة تغيّرت… ريحة شي قديم، رطب، مختنق.


فجأة…

طلع صوت فرقعة عالية من المراية اللي في آخر الغرفة.

مش مراية واحدة… لا، كل المرايات الصغيرة اللي في أركان الغرفة اتشقّت في نفس اللحظة.

وكأنها بتردّ على دخولها.


"ليلى الثانية" وقفت قدّام المراية الكبيرة.

وجهها اتبدّل…

ابتسامتها كبرت…

اتحولت لشي مش بشري.

وقالت بصوت مزدوج، صوتين فوق بعض:


"وقت التبديل… خلَص."


وفي اللحظة دي…



---


🔻 داخل المراية… 🔻


ليلى الأصلية أخيرًا قدرت تحرك إيدها.

أو يمكن افتكرت إنها تقدر.


الإيد الباردة اللي كانت ماسكة كتفها…

قربت من رقبتها.

وأول ما لمست جلدها…

اتفتح فمها غصب عنها وخرج صوت مش صوتها:


"أنا هنا… أنا لسه هنا…"


الضلمة وراها اتجمعت…

اتشكلت…

اتكثّفت لحد ما بقت شبه إنسان…

أو ظلّ إنسان…

مال على ودنها وهمس:


"لو خرجت… هتدخّلي مكانها."



---


🔻 اللحظة اللي اتغيّر فيها كل شيء 🔻


في العالم الحقيقي، المشرف الصحي كان لسه قدام الكاميرات، بيقرب الصورة، بيزوم أكتر…

لكن في اللحظة اللي وصل فيها للانعكاس الأوضح…

ظهر وش ليلى الأصلية جوّا المراية وهي بتخبط عليها.


المشرف شهق…

ولاقى إن الوش في التسجيل…

بيبص له مباشرة.


وبعدين…


بقى يبتسم.


ابتسامة باردة، مطابقة لابتسامة "ليلى الثانية".



---


🔻 النهاية 🔻


رجع المشهد للغرفة…

فيها ليلى واحدة بس.


المراية الكبيرة بقت نضيفة…

مافيهاش أي خدوش…

ولا أي انعكاس غريب.


ليلى وقفت، اتنفضت هدومها، وبصت لنفسها في الزجاج كأنها بتتأكد إنها… طبيعية.


لكنها ما رمشتش.

ولا مرة.


ولمّا خرجت من الغرفة، عدى الظلّ بتاعها قدّامها بخطوة.


أما داخل المراية…

كان في وشّ تاني بيخبط…

وكل ما يخبط أكتر…

الصوت بيختفي.


لحد ما اختفى تمامًا.

وكان آخر شيء اتقال في المستشفى قبل ما يسدل الليل ستاره:


"مش كل اللي بيخرج من المراية… بيكون هو نفس اللي دخل.

وفي حالات زي حالة ليلى… اللي خرج مش ليلى.

واللي دخل؟… لسه محبوس جوّا."









تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الحجر الاسود

الوفاء بالعهد

السيره النبويه العطره 46